لطالما وُصف المغاربة بأنهم “40 مليون مدرب كرة قدم”، حيث لا تمر مباراة للمنتخب الوطني أو للأندية الكبرى دون أن يتحول كل مقهى وشارع ومنصة تواصل اجتماعي إلى فضاء للتحليل والتكتيك وانتقاد الاختيارات. غير أن السنوات الأخيرة، ومع توالي فترات الجفاف ثم التساقطات الغزيرة والفيضانات، أفرزت نسخة جديدة من هذه الظاهرة: “40 مليون خبير في هندسة السدود والأحواض المائية”.
فبمجرد ارتفاع منسوب المياه أو امتلاء سد عن آخره، تنطلق سيل من الآراء والتدوينات، بعضها يحمل قلقًا مشروعًا وتساؤلات مشروعة حول الحكامة والاستباق، وبعضها الآخر يغرق في تبسيط مخل لقضايا تقنية معقدة، تتداخل فيها اعتبارات هندسية وبيئية ومناخية واقتصادية. فجأة، يصبح الجميع على دراية بتصاميم السدود، وطرق تصريف المياه، وأخطاء الدراسات السابقة، وكأن هذه الملفات تُدار بمنطق الهواية لا بمنهج علمي طويل ومعقد.
لا يمكن إنكار أن هذا الاهتمام الواسع يعكس وعيًا متزايدًا لدى المواطنين بأهمية الأمن المائي، خاصة في بلد يواجه تقلبات مناخية حادة بين الجفاف والفيضانات. لكن الإشكال يبرز حين يتحول النقاش من مساءلة عقلانية مبنية على المعطيات إلى تبادل للاتهامات وإطلاق أحكام نهائية دون سند علمي أو مؤسساتي.
بين النقد المشروع والتهويل، تبقى الحاجة ملحة إلى تأطير النقاش العمومي، وفتح قنوات تواصل واضحة بين المؤسسات المختصة والرأي العام، حتى لا يتحول القلق الجماعي إلى فوضى معلوماتية. فكما أن كرة القدم تُكسب وتُخسر في الملعب، فإن قضايا الماء والسدود تُدار بالدراسات والتخطيط طويل الأمد، لا فقط بتعليقات عابرة، مهما بلغ عدد “الخبراء”.
فقط في المغرب.. من 40 مليون مدرب كرة قدم إلى 40 مليون خبير في هندسة السدود

اترك تعليق
