تم تقديم خارطة الطريق «AI Made in Morocco» كمرحلة مفصلية في مسار التحول الرقمي بالمغرب، وجاء هذا الحدث، الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة، ليؤكد طموح الحكومة في بناء منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي، وتعبئة الفاعلين العموميين والخواص، وتقديم المغرب كفاعل إقليمي قادر على مواكبة التحولات التكنولوجية الكبرى.
الخطاب الرسمي كان واضحًا، والمفردات المستخدمة ركزت على السيادة والابتكار، فيما سعى شعار «صنع في المغرب» إلى ترسيخ سردية جديدة حول الاستقلال التكنولوجي. غير أن هذا الطموح المعلن يبرز غياب سؤال جوهري لم يُطرح بما يكفي في النقاش العمومي، وهو سؤال المعطيات.
فالذكاء الاصطناعي لا يُبنى بالخطابات ولا بخطط العمل، بل بالمعطيات الضخمة، المهيكلة، المرتبطة بالسياق، والخاضعة لضبط قانوني واضح. إلا أن الواقع المغربي يُظهر أن جزءًا كبيرًا من المعطيات المنتَجة داخل التراب الوطني، بما فيها الصادرة عن الإدارات العمومية، يتم تخزينه ومعالجته على منصات أجنبية، وخاضع لأطر قانونية خارج السيادة الوطنية. ومع تسارع رقمنة الخدمات العمومية والخاصة، يطرح التساؤل: هل يمكن الحديث فعلاً عن ذكاء اصطناعي «صنع في المغرب» بينما مادته الأولية موجودة خارج التراب الوطني؟
على المستوى المعياري، يشكل التوجيه الوطني لأمن نظم المعلومات الإطار المرجعي، وينص على ضرورة إيواء المعطيات الحساسة داخل التراب الوطني. المبدأ واضح، لكن تطبيقه يواجه إشكالات عديدة، أولها تحديد مفهوم «المعطيات الحساسة»، الذي يبقى غامضًا بين المعطيات الدفاعية والأمنية، والحالة المدنية، والمعطيات الجبائية، الصحية والاجتماعية، أو كل معطى استراتيجي تنتجه الإدارة العمومية. هذا الغموض يجعل التصنيف خاضعًا لاجتهادات متفاوتة بين الإدارات والمتدخلين التكنولوجيين.
ويتجاوز الأمر الجانب القانوني إلى مدى التزام الإدارات بالمعايير. الواقع العملي يظهر أن رقمنة الإدارة المغربية اعتمدت في كثير من الحالات على حلول جاهزة ومنصات تعاونية، تُخزن فيها المعطيات خارج التراب الوطني، مبررةً ذلك بالسرعة أو الكلفة أو النجاعة التقنية، ما يطرح تساؤلات حول الامتثال الفعلي لمبدأ توطين المعطيات، ويتركه أكثر إعلانًا منه ممارسة فعلية.
هذه المفارقة تكشف عن تناقض عميق في خطاب السيادة الرقمية: من جهة التأكيد على بناء ذكاء اصطناعي وطني وسيادي، ومن جهة أخرى، تبقى المعطيات خارج السيطرة، وضعيفة الحوكمة. في حين أن الذكاء الاصطناعي ليس تكنولوجيا محايدة، بل يؤثر في القرارات العمومية ويعيد تشكيل العلاقة بين الإدارة والمواطن. ومن دون سيطرة فعلية على المعطيات، قد يتحول إلى عامل لإعادة إنتاج الاختلالات وتعميق فجوات الثقة.
ويشمل النقاش القارة الإفريقية أيضًا، الغنية بالمعطيات الخام وفقيرة في التحكم في استغلالها. وإذا أراد المغرب أن يكون فاعلًا إقليميًا في الذكاء الاصطناعي، يتطلب الأمر اعتبار المعطيات أصلًا استراتيجيًا، بدل اعتبارها مجرد ناتج ثانوي للرقمنة.
إن إطلاق «AI Made in Morocco» يشكل إشارة سياسية قوية، لكن مصداقية الطموح ستُقاس بقدرة الدولة على الإجابة عن أسئلة أساسية: ما هي المعطيات الحساسة؟ أين تُخزن؟ ومن يملك سلطة القرار والمراقبة؟ من دون أجوبة واضحة، سيظل شعار «صنع في المغرب» أداة تواصل أكثر منه مشروعًا فعليًا للسيادة الرقمية.

