كالعادة، وككل 8 مارس، يتم إغراقنا بالحوارات والصور والفيديوهات التي تتناول مواضيع تتعلق بالمرأة والدفاع عن حقوقها وضرورة وقف كل أشكال العنف والتمييز ضدها…
نحضر أيضا مناقشات ساخنة على القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية بين مدافعين عن قضية المرأة ومناهضين لها. نسمع نفس الكلمات، ونشاهد نفس الصور، ونشهد نفس المواقف، ونرى نفس الوجوه…تتحدث عن نفس الموضوع. لكن، لا يكاد يمر يوم واحد حتى ينتهي كل شىء، ويغمد الجميع سلاحه… في انتظار المعركة القادمة … معذرة…أقصد العام المقبل.
يشكل يوم 8 مارس مجددا مناسبة يتفق خلالها الجميع، مواطنون وسلطات ومجتمع مدني على حد سواء، على ضرورة الحد من العنف ضد المرأة وعلى حقها في التمتع بكل حقوقها، ولدعوة المجتمع لتغيير طريقة تعامله معها دون الحط من كرامتها أو المساس بحقوقها. ونرى أيضا بعض المتدخلين على بلاتوهات القنوات «جد متأثرين” بسبب الوضعية المزرية التي تعيشها المرأة في بعض الأوساط، ويبدون حماسا كبيرا ويدعون للحد من معاناتها…الخ. فنحن نسمع كل يوم عن أحداث لنساء تعرضن للاغتصاب أو للضرب أو عن تعرض فتيات صغيرات للعنف من قِبل مشغليهن، وغيرها كثير.
كفى نفاقا أيها المجتمع! فقد ضقنا ذرعا بانفصام الشخصية الذي يعاني منه مجتمعنا.
إن بعض هؤلاء الرجال الذين يصرخون بصوت عالٍ على شاشات التلفزيون ويرفضون العنف ضد النساء، هم أنفسهم الذين لا يترددون في تعنيفهن إن هن سولت لهن أنفسهن التعامل معهم، الند للند، أو رفعن أصواتهن أمامهم خلال شجار أو نزاع في البيت أو الشارع أو العمل أو غيرهم؛
هم أنفسهم الذين يرفضون نجاحات وتفوق زميلاتهم في العمل أو زوجاتهم، لأنهم يعتبرون ذلك انتقاصا من شخصهم أو ذكوريتهم؛
كثيرون( نساء ورجالا) ممن ينصبون أنفسهم للدفاع عن حقوق الفتاة الصغيرة، هم أنفسهم يتركون صغارهم كل يوم تحت رعاية مراهقة -حتى لا أقول طفلة- تعتني بهم وتقوم بالأشغال المنزلية أيضا، بدلا من أن تقصد مكانها الطبيعي في مثل سنها، أي المدرسة.
إن مجتمعنا يعتبر تعرض المرأة للعنف أو التحرش أو الاغتصاب نتيجة طبيعية… عندما “تقصد هذه المرأة أماكن ليس من المفترض أن تذهب إليها” في نظره؛
عادي أيضا أن يتم التحرش بها… عندما “ترتدي ملابس مثيرة”، مع العلم أن هذا المفهوم يختلف من شخص لآخر، وأن ارتداء الحجاب أو أي لباس “محتشم”، لم يحميا أبدا نساء أخريات، مسنات أحيانا، من التعرض للتحرش أو الاغتصاب ؛
تعنف النساء وتضربن أيضا كلما “تجرأن على مخالفة رأي” زوج أو أب أو أخ في مجتمعنا الذكوري بامتياز؛
تعنف المرأة في مجتمعنا ويتخلى عنها عندما تصاب بمرض عضال أوعندما لا يعود باستطاعتها القيام بواجباتها الزوجية. لكن لا أحد يعتبر هذا عنفا…للأسف.
وتمر الأعوام تلو الأعوام، ويبقى موضوع المرأة محورا لكل النقاشات خلال هذا اليوم، فقط لأنه حديث الساعة. يوم 8 مارس هو مناسبة لدعوة جميع الجهات المعنية لتكثيف الجهود أكثر، ووضع استراتيجيات من أجل تحسيس المجتمع بهذا الخصوص، لأن الاقتصار على تنظيم موائد مستديرة وحلقات نقاشية، أو الاكتفاء بتقديم أرقام وإحصائيات حول عدد النساء المغتصبات والمعنفات وحالات الطلاق…الخ، لن تفيد المجتمع معرفتها في شىء، لأنها للأسف لن تكون إلا نَكْئا لجروحه المتورمة، وتذكيرا له بمآسيه. وفي هذه الحالة، سيكون من الأفضل الصمت وعدم الحديث عن الموضوع.
إن الأمر لا يتعلق بدعوة الناس لمكافحة التدخين أو بتشجيعهم على حماية الطبيعة، فالموضوع يكتسي أهمية قصوى، لأنه يتعلق بمن يشكلن نصف المجتمع، وهن مربيات الأجيال.
كما أن تخصيص يوم وطني أو دولي للمرأة للنبش في معاناتها لا يكفي في بعض المجتمعات، بل يجب التطرق لمشاكلها على مدار السنة. وكخطوة أولى، ربما سيكون على النساء أنفسهن الشروع في تلقين أبنائهن الذكور أهمية احترام أخواتهم، وحثهم منذ نعومة أظافرهم على معاملتهن معاملة حسنة، وغرس تلك المبادئ فيهم…
إن المرأة تطالب بالعدل أولا قبل المساواة، كما قد يفهم البعض… لأنها تستحق الأفضل.
لطيفة بجو

