تعاني المجتمعات العربية، ومن بينها المجتمع المغربي، من موجات تغيّر اجتماعي وثقافي تشهدها العالمية بأسرها. وتتجلى هذه الظاهرة في تبني الشباب لعادات وأساليب حياة تنحدر من الثقافة الغربية أو تقلدها تقليدا أعمى دون اعتبار لتقاليدهم وقيمهم الأصيلة، مما يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الهوية الوطنية والتفاعل الثقافي في ظل التطورات العالمية وتأثيرات عالم متصل.
وفي هذا السياق، تثير البرامج السمعية البصرية على منصة “يوتيوب” وغيرها من المنصات التي أزاحت كل القيود والاعتبارات عن صناعة المحتوى، وهو ما شهدناه من قبل في “ترندات” أساءت كثيرا للذوق العام، مثل برنامج اختيار “شريك الحياة” اليوم، والذي اقتبست فكرته من برنامج “بلايند ديتينغ” الأمريكي، جدلاً واسعاً. فالنسخة المغربية من البرنامج أثارت استياء كبيرًا بسبب اعتبارها تقليدًا للثقافة الغربية دون مراعاة للدين والقيم ولا توجيه للثقافة الأصيلة.
إن هذا النقاش لا يقتصر على مستوى المحتوى السمعي البصري فقط، بل يمتد ليشمل السلوكيات اليومية للشباب التي قد تتجاوز حدود الاحترام في أحيان كثيرة، تماشيا مع ثقافة الغير دون تحليل أو تمحيص لتوافقها مع القيم الثقافية الأصيلة.
وتتطلب هذه التحولات حوارا مجتمعيا عميقا، يركز على إعادة بناء الوعي بالهوية والقيم الأصيلة، مع تعزيز فهم الشباب للتوازن بين التطور الحضاري والمحافظة على الهوية والثقافة الوطنية. وتبقى السلطات المختصة مطالبة بتقديم الإرشادات والإطار القانوني الذي يحمي القيم الثقافية ويعزز التفاعل الإيجابي مع التحولات الثقافية العالمية، دون التنازل عن الهوية الوطنية والقيم المحلية التي تمثل لبنة الأساس التي يجب الاعتماد عليها في بناء مجتمعات مستقرة ومتماسكة.
فردوس الحيولي

