تعرف مدينة طنجة، كغيرها من المدن الكبرى في المغرب، طفرة عمرانية كبيرة خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت الوجهة المفضلة للعديد من المستثمرين والسكان الباحثين عن السكن أو الاستثمار. إلا أن هذه النهضة العقارية رافقتها ظواهر خطيرة، أبرزها “النوار”، أو ما يُعرف بالمعاملات غير المصرح بها نقداً خارج العقود الرسمية، وهو ما يُثير تساؤلات جوهرية حول غياب الرقابة وتقصير السلطات الوصية.
معظم شركات العقار بطنجة تفرض على زبائنها دفع مبالغ نقدية كبيرة “بالنوار”، وهو سلوك غير قانوني يجعل المشترين في وضع هش، إذ لا يتم تسجيل تلك المبالغ في الوثائق الرسمية، مما يحرمهم من حقوقهم في حالة وقوع نزاعات مستقبلية. الأسوأ أن هذه المبالغ، التي قد تصل أحياناً إلى أكثر من 50% من ثمن الشقة الإجمالي، تُدفع خارج الإطار القانوني، ما يُعمّق الاقتصاد غير المهيكل ويُعزز الفساد المالي.
من جهة أخرى، يؤدي هذا النوع من التعاملات إلى تضييق الخناق على المستهلكين، خاصة الشباب والعائلات متوسطة الدخل الذين يجدون أنفسهم مضطرين للاستدانة أو البحث عن مصادر مالية إضافية لتلبية شروط الشركات. كما أن غياب الشفافية يُضعف الثقة في السوق العقارية المحلية، ويحول دون تحقيق التنمية المستدامة التي تنادي بها السياسات العمومية.
ورغم أن القانون المغربي يُجرّم هذه الممارسات من خلال إلزامية تسجيل جميع المعاملات العقارية في العقود الرسمية، إلا أن الواقع يُظهر ضعف تطبيق هذه القوانين. حيث يبدو أن بعض شركات العقار وجدت طرقاً للتحايل على القانون مستفيدة من غياب المراقبة الفعّالة وتواطؤ بعض الجهات.
السلطات الوصية، المتمثلة في وزارة الإسكان والمالية، تُعتبر مسؤولة عن مراقبة السوق العقارية وضمان الشفافية في المعاملات. إلا أن ضعف الرقابة يجعلها عاجزة عن ضبط التجاوزات، ما يفتح المجال أمام انتشار هذه الظاهرة. أما المؤسسات البنكية، التي يُفترض أن تكون شريكاً في تنظيم السوق العقارية، فهي الأخرى تغض الطرف عن هذه التجاوزات، مما يُثير التساؤلات حول مدى تورطها أو صمتها إزاء الوضع.
إن معالجة هذه الظاهرة تتطلب إرادة سياسية قوية لتفعيل القوانين الحالية وتشديد الرقابة على شركات العقار. كما يجب فتح قنوات للتبليغ عن هذه الممارسات وإشراك المجتمع المدني في رصد التجاوزات. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي تعزيز ثقافة الحقوق لدى المواطنين من خلال توعيتهم بأهمية التمسك بالعقود القانونية لضمان حقوقهم.
إن استمرار الوضع على ما هو عليه يُهدد ليس فقط مصداقية السوق العقارية بطنجة، بل أيضاً الاقتصاد الوطني بشكل عام، حيث تُفقد الدولة موارد جبائية كبيرة نتيجة هذه التعاملات في الظل. فإلى متى ستظل هذه الظاهرة مستمرة دون تدخل حازم؟ وأين هي الجهات الرقابية التي يُفترض أن تحمي المواطن من طغيان شركات العقار؟
طنجة، المدينة التي لطالما كانت بوابة الانفتاح والحداثة، تستحق سوقاً عقارية شفافة وعادلة تحترم القانون وتحمي حقوق الجميع.

