في قلب المدينة التي لطالما تغنّى بها عشّاق البحر والتاريخ، تنبعث رائحة قلق حادّ من الأزقة والأسطح والمجاري، حيث تتسلل الفئران كأنها جزء من المشهد اليومي لساكنة طنجة. ظاهرة غزو القوارض لم تعد مجرد مشاهد عابرة، بل تحوّلت إلى واقع يؤرق المواطنين، ويطرح أسئلة محرجة حول نجاعة التدبير الحضري والصحي بالعاصمة الاقتصادية للشمال.

ففي أحياء مختلفة من الهياكل الشعبية إلى الشوارع الراقية، أصبحت الفئران تفرض وجودها كـ”زوار غير مرغوب فيهم”، يعبثون بطمأنينة السكان ويثيرون المخاوف من تفشي الأمراض. شهادات كثيرة تواترت حول تسلل هذه الكائنات إلى البيوت والمطاعم والمحال، حتى في مناطق تُعتبر واجهات المدينة السياحية.
ورغم رصد مجلس جماعة طنجة لمبالغ سنوية تقارب 230 مليون سنتيم لمحاربة الفئران والحشرات، إلا أن النتيجة على الأرض لا تعكس حجم المجهودات المعلنة. عمليات الرش والتطهير، التي تُنفّذ بشكل متقطع، لم تفلح في إيقاف الزحف الرمادي، وسط اتهامات بضعف الموارد البشرية وغياب الرؤية المتكاملة لمحاصرة هذه الآفة المتجددة.
ويتهم فاعلون محليون السلطات بالتعامل الموسمي مع الظاهرة، حيث تتكثف الحملة فقط عند تفاقم الشكايات أو قرب الانتخابات، في حين يغيب التنسيق المؤسساتي الذي من شأنه ضمان معالجة جذرية ومستدامة. ويعزو متابعون استفحال المشكلة إلى تزايد النفايات، ضعف مراقبة المجاري، وغياب التربية البيئية في بعض الأحياء.
وفي المقابل يدعو مختصون في الصحة والبيئة إلى تبني مقاربة تشاركية حقيقية، تشمل الجماعة، المجتمع المدني، والسكان، من أجل تطويق الخطر قبل تحوّله إلى أزمة صحية. فالفأر وإن بدا كائنًا صغيرًا فإنه يحمل في طياته مؤشرات عن خلل أكبر في المنظومة البيئية والبلدية.
وتبقى طنجة بكل ما تحمله من إرث حضاري وجاذبية سياحية، مدينة لا تستحق أن تُختزل في صور الفئران المتنقلة بين الأزقة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تكفي حملات موسمية وميزانيات صامتة لمواجهة واقعٍ يزحف في الظل؟ أم أن طنجة اليوم بحاجة إلى ما هو أكثر من “مبيد حشري” لتستعيد صورتها النظيفة في أعين أهلها وزوارها؟

