في ظل الارتفاع المستمر لتكاليف التمدرس والإكراهات التي تثقل كاهل الأسر، يعود ملف التعليم الخصوصي ليطفو على سطح النقاش العمومي بقوة، لكن هذه المرة من بوابة دعوة صريحة وجهها أرباب المؤسسات التعليمية الخاصة وأولياء الأمور إلى الفاعل السياسي لإرساء “تعاقد جديد”. هذا النداء يعكس حجم الاحتقان والاستياء الذي بات يخيم على علاقة الأطراف الثلاثة (المدرسة، الأسرة، والدولة)، في وقت تحولت فيه دراسة الأبناء إلى عبء مالي يهدد التوازن المعيشي لشرائح واسعة من المجتمع.
من جهة، يبرر أرباب التعليم الخصوصي مطالبهم بالارتفاع المهول لتكاليف التسيير، والضرائب، وأجور الأطر التربوية، مؤكدين أن استمرار الوضع الحالي دون دعم أو رؤية تشاركية واضحة يهدد استقرار العديد من المؤسسات، خاصة المتوسطة والصغيرة منها. ومن جهة أخرى، تجد الأسر نفسها في خط المواجهة الأول، تواجه زيادات متتالية في رسوم التسجيل والتأمين والتمدرس، وسط شعور بغياب آليات حقيقية للمراقبة وحماية القدرة الشرائية للمواطن من جشع بعض الفاعلين في القطاع.
هذا الوضع المأزوم يعيد طرح السؤال الأبدي حول حدود مسؤولية الدولة في تنظيم قطاع يكتسي طابعاً حيوياً واستراتيجياً. فالسياسيون والأحزاب مطالبون اليوم بالخروج من منطق الصمت الانتخابي أو تدبير الأزمات الظرفية، والانخراط في بلورة سياسة عمومية واضحة المعالم توازن بين حق المؤسسات في الاستمرار والاستثمار، وحق الأسر في تعليم جيد وبأسعار معقولة لا تتحول إلى استنزاف مادي.
إن إرساء “تعاقد جديد” لم يعد مجرد رفاهية فكرية أو شعار يرفع في اللقاءات الرسمية، بل أصبح ضرورة ملحة تفرضها التحديات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة. فهل تستجيب النخب السياسية لهذا النداء وتفتح ورشاً إصلاحياً حقيقياً ينقذ المنظومة، أم أن الملف سيبقى حبيس الشعارات إلى أن تنفجر الأزمة في وجه الجميع؟


