لم يعد يفصل المغاربة عن موعد الاقتراع سوى أسبوع واحد. سبعة أيام فقط تفصل بين نهاية الحملة الانتخابية وفتح صناديق الاقتراع، سبعة أيام ستشهد، كما جرت العادة، ارتفاعاً في منسوب الخطابات والوعود واللقاءات المباشرة مع المواطنين، في سباق انتخابي تتنافس فيه الوجوه القديمة مع أسماء جديدة، وتعود فيه ملفات اجتماعية واقتصادية إلى الواجهة بقوة.
لكن، وسط هذا الزخم الانتخابي، يفرض سؤال أساسي نفسه: ماذا سيبقى من كل هذه الوعود بعد انتهاء الحملة؟
في الشارع المغربي، لا يحتاج المواطن إلى كثير من الوقت ليستمع إلى وعود تتعلق بالشغل، والأجور، والصحة، والتعليم، والقدرة الشرائية، وتنمية العالم القروي. وعود بعضها يلامس انتظارات حقيقية، وبعضها الآخر يبدو أقرب إلى لغة انتخابية مصممة لجذب الناخب خلال أيام معدودة.
وعندما يسمع المواطن أرقاماً تتحدث عن رفع الحد الأدنى للأجور إلى خمسة آلاف درهم أو أكثر، فمن حقه أن يسأل: كيف سيتم ذلك؟ ومتى؟ وما هي الكلفة؟ ومن سيستفيد منه؟ وهل يتعلق الأمر بالتزام قابل للتنفيذ أم مجرد وعد انتخابي سيجد طريقه إلى رفوف البرامج بعد انتهاء الانتخابات؟
المشكلة ليست في إطلاق الوعود في حد ذاتها، فالانتخابات بطبيعتها تقوم على البرامج والمشاريع والاختيارات، وإنما في المسافة التي تفصل بين ما يقال في الحملة وما يمكن تحقيقه فعلاً بعد الوصول إلى المؤسسات.
والأمر نفسه ينطبق على قطاع الصحة، الذي أصبح من أكثر الملفات حساسية لدى المواطن المغربي. فكيف يمكن الحديث عن إصلاح المنظومة الصحية إذا ظل المواطن، عندما تسمح له إمكانياته، يبحث عن العلاج في القطاع الخاص أو حتى خارج المغرب؟ وكيف يمكن إقناع المواطن بأن الخدمات الصحية العمومية ستتحسن، إذا كانت بعض الوعود لا تقدم له جواباً واضحاً حول الطبيب، والمستشفى، والدواء، ومدة الانتظار، وجودة العلاج؟
في طنجة، كما في مدن مغربية أخرى، يلاحظ الناخب حضور أسماء سياسية يعرفها منذ سنوات، إلى جانب وجوه جديدة تحاول تقديم نفسها كبديل أو كخيار مختلف. لكن هل تغيير الوجوه كافٍ لتغيير علاقة المواطن بالسياسة؟ وهل يستطيع المرشح الجديد أن يقنع الناخب بأن دخوله البرلمان لن يكون مجرد انتقال من الحملة الانتخابية إلى الغياب عن المواطن؟
هنا تحديداً تبرز وظيفة البرلمان التي تتجاوز الخطابات الانتخابية. المواطن الذي يمنح صوته لمرشح لا ينتظر منه فقط أن يظهر في الحملة، وإنما ينتظر منه أن يمارس دوره كمشرّع، وأن يساهم في مناقشة القوانين، ومراقبة العمل الحكومي، والدفاع عن القضايا التي انتُخب من أجلها.
فهل يدرك جميع المرشحين حجم المسؤولية التي تنتظرهم داخل قبة البرلمان؟ وهل يدرك الناخب أيضاً أن دوره لا ينتهي بمجرد وضع ورقة الاقتراع في الصندوق، وإنما يستمر من خلال مراقبة أداء من منحه صوته؟
ويبقى الشباب في قلب هذه المعادلة. فالشاب المغربي اليوم لا يبحث فقط عن خطاب انتخابي جميل، بل يريد فرصاً حقيقية للعمل، وتكويناً جيداً، وسكناً مناسباً، وخدمات عمومية تحترم كرامته. فهل يشعر الشباب أن المرشحين يتحدثون معه عن مستقبله فعلاً، أم أن الخطاب الانتخابي لا يتغير كثيراً من استحقاق إلى آخر؟
والسؤال نفسه يطرح في العالم القروي، حيث ما تزال قضايا الماء، والصحة، والتعليم، والطرق، والنقل، وفرص الشغل، حاضرة بقوة في الحياة اليومية. فهل ستتحول هذه الملفات إلى مشاريع وبرامج قابلة للقياس، أم ستظل مجرد عبارات تتكرر في كل حملة انتخابية؟
ثم هناك ملف أكثر حساسية، لا يمكن تجاهله في أي نقاش حول الانتخابات: المال الانتخابي. الحديث عن تقديم مبالغ مالية مقابل الأصوات يتكرر في النقاشات العامة مع كل استحقاق، وتتداول في بعض الأوساط أرقام من قبيل مائة أو مائتي درهم. لكن أي اتهام محدد يحتاج إلى أدلة ومعطيات موثوقة، لأن التعميم لا يخدم نزاهة العملية الانتخابية.
ومع ذلك، يبقى السؤال مشروعاً: لماذا يمكن أن يفكر مواطن في بيع صوته إذا كان يعرف أن هذا الصوت يمكن أن يحدد من سيمثله لسنوات؟
وهل يمكن لمبلغ مالي مؤقت أن يعوض المواطن عن خدمات عمومية ضعيفة، أو عن غياب فرصة عمل، أو عن مشاكل التعليم والصحة والنقل؟ وهل من المنطقي أن يتحول الصوت، وهو أداة المواطن الأساسية للمشاركة السياسية، إلى سلعة في سوق انتخابية مؤقتة؟
هناك أيضاً ظاهرة أخرى تستحق التأمل. عندما يواجه المواطن مشكلة في الإدارة أو الصحة أو التعليم أو السكن أو غيرها، كثيراً ما تتجه مطالبه مباشرة إلى أعلى مستوى في الدولة، بحثاً عن الإنصاف أو الحل. وهنا يطرح سؤال آخر نفسه بقوة: إذا كان المواطن ينتخب ممثلين عنه، فأين يجب أن يكون موقع هؤلاء المنتخبين من هذه المطالب؟ وأين هو دورهم في نقل انشغالات المواطنين والدفاع عنها داخل المؤسسات؟
ربما تكون هذه هي القضية الأعمق التي ينبغي أن تطرحها الانتخابات الحالية: أزمة الثقة.
هل يثق المواطن المغربي فعلاً في المرشح الذي يطلب صوته؟ هل يعتقد أن هذا المرشح سيظل قريباً منه بعد انتهاء الحملة؟ هل يصدق الوعود التي يسمعها اليوم؟ وهل يملك الناخب ما يكفي من المعطيات والبرامج ليحاسب من سيمنحه صوته؟
بعد أسبوع، ستنتهي الحملة، وستختفي تدريجياً اللافتات والصور والشعارات، وستغلق صناديق الاقتراع، لكن الأسئلة ستبقى.
فالانتخابات ليست فقط معركة للحصول على الأصوات، وإنما امتحان للثقة بين المواطن والمؤسسات والمنتخبين.
والمرشحون اليوم أمام مسؤولية كبيرة: أن يقنعوا المواطن بأن السياسة ليست موسم شعارات، وأن الوصول إلى البرلمان ليس نهاية الطريق، بل بداية لمسؤولية حقيقية.
أما المواطن، وخصوصاً الشباب وسكان العالم القروي، فأمام لحظة اختيار لا تتعلق فقط بالأسماء والوجوه، وإنما بما يحمله كل مرشح من برنامج، وما يقدمه من أجوبة واقعية، وما يمكن أن يحاسب عليه بعد انتهاء الانتخابات.
وبين الوعود والواقع، وبين الخطاب والممارسة، وبين الشعارات والإنجاز، يبقى السؤال الأكبر الذي سيحسمه الناخب داخل صندوق الاقتراع: هل ما زال يثق فيمن يطلب صوته، أم أن استعادة هذه الثقة أصبحت التحدي الحقيقي للطبقة السياسية المغربية؟


