مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تعود ظاهرة شراء الأصوات لتطفو على السطح من جديد، خاصة في الأحياء الشعبية والهامشية التي تعاني من الفقر والبطالة وضعف البنيات التحتية. ففي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن برامج واقعية تلامس همومه اليومية، يجد نفسه أمام وسطاء يعرضون عليه مقابلا ماديا مباشرا مقابل صوته، في مشهد أصبح مألوفا مع كل حملة انتخابية.
مصادر محلية من حي بني مكادة، أحد أكبر الأحياء الشعبية في مدينة طنجة، أكدت أن بعض الوسطاء المعروفين في الحي بدأوا في التحرك قبل أسابيع، حيث يعرضون مبالغ مالية تتراوح بين 200 و250 درهما للصوت الواحد، بالإضافة إلى توزيع قفف غذائية تحتوي على مواد أساسية، وإطلاق وعود بالتشغيل أو التدخل لقضاء مصالح إدارية. ويتم كل ذلك في سرية تامة، بعيدا عن أعين السلطات، حيث يتم طرق الأبواب ليلا وتسليم المبالغ بشكل فردي.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن هذه الظاهرة الخطيرة تستغل بشكل مباشر الوضع الاجتماعي الهش لعدد كبير من الأسر، التي تجد نفسها في مواجهة الحاجة اليومية وغلاء المعيشة. فبالنسبة لأرملة تربي أبناءها أو شاب عاطل عن العمل، قد يبدو مبلغ 200 درهم مغريا ويسد حاجة آنية، حتى وإن كان ثمنه هو التنازل عن حق دستوري في اختيار من يمثله بكل حرية ونزاهة.
ورغم أن القانون المغربي واضح في هذا الباب، حيث يجرم الفصل 37 من القانون المتعلق باللوائح الانتخابية تقديم هدايا أو تبرعات نقدية أو عينية بهدف التأثير على تصويت الناخبين، ويعاقب عليها بالحبس والغرامة والتجريد من الحقوق الوطنية، إلا أن تطبيقه على أرض الواقع يظل صعبا ومعقدا. فإثبات جريمة شراء الأصوات يتطلب أدلة مادية وشهودا وشكايات رسمية، وهو ما نادرا ما يتوفر، لأن المستفيد نفسه لا يبلغ عن الواقعة.
ويحذر فاعلون جمعويون وحقوقيون من التداعيات الخطيرة لهذه الممارسة على مستقبل الديمقراطية المحلية، معتبرين أن شراء الأصوات لا يفرغ العملية الانتخابية من محتواها النبيل فقط، بل يؤدي أيضا إلى وصول مجالس منتخبة ضعيفة فاقدة للشرعية، مجالس لا تفكر في خدمة السكان وتنمية الأحياء، بل في استرجاع الأموال التي صرفتها خلال الحملة، لتستمر بذلك حلقة الفقر والتهميش.


