مع اقتراب المحطات السياسية الكبرى ودخول المشهد مرحلة المخاض لتشكيل التحالفات، تعود إلى الواجهة معادلات معقدة تحكمها “حسابات اللحظة الراهنة” مقابل “إرث الخلافات والتقاطعات السابقة” بين الفرقاء السياسيين. تساؤلات كبرى تفرض نفسها حول مدى قدرة الفاعلين على طي صفحة الماضي، أم أن الظلال القديمة ستظل تلقي بثقلها على مسار تشكيل الحكومة المقبلة؟
لا يمكن قراءة المشهد السياسي الحالي بمعزل عن الذاكرة الحزبية والتاريخ الانتخابي للفرقاء. فالخلافات التي طبعت محطات تشريعية أو تدبيرية سابقة لا تزال تشكل عقدة في طريق أي تقارب حقيقي.
العديد من القيادات الحزبية تجد نفسها اليوم محاصرة بتبعات مواقف سابقة، ووعود أُطلقت على وقع التنافس المحتدم، مما يجعل بناء الثقة من جديد مساراً محفوفاً بالحسابات الضيقة والتوجس المتبادل، بدل أن يسود منطق التوافق المصلحي العالي.
في المقابل، تفرض لغة الأرقام والواقعية السياسية شروطاً صارمة لا تقبل الترف العاطفي أو تصفية الحسابات. فحسابات اليوم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً برهان الاستقرار، التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، وضرورة إفراز أغلبية منسجمة قادرة على تنزيل الأوراش الكبرى دون تعطيل أو بلوكاج مؤسساتي.
هذه البراغماتية تدفع بعض الأطراف إلى غض الطرف عن تركات الأمس، وتغليب منطق المصلحة المشتركة، طمعاً في الظفر بمواقع القرار أو ضمان موطئ قدم في التشكيلة الحكومية القادمة.
أمام هذا التجاذب بين ماضي محمل بالخلافات وحاضر يمليه منطق الإكراهات، تتأرجح خريطة التحالفات المحتملة بين عدة سيناريوهات:
سيناريو التوافق البراغماتي: تجاوز الخلافات جانباً وتشكيل أغلبية مريحة قائمة على تقاسم الأدوار والمصالح المشتركة.
سيناريو البلوكاج المبطن: استمرار التوجس وتمنع بعض الأطراف، مما قد يُبطئ من وتيرة المشاورات أو يفرض شروطاً قاسية تعيق سلاسة التأسيس.
سيناريو التحالفات غير التقليدية: إعادة خلط الأوراق والقفز على التحالفات الكلاسيكية لصالح تكتلات جديدة تفرضها ضرورة المرحلة.
يبقى الأكيد أن نجاح أي أغلبية مرتقبة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى قدرة صانعي القرار الحزبي على التحرر من حسابات الأمس، وقراءة نبض المرحلة بعين الاستشراف لا بعين الانتقام.


