يعود ملف ترسيم الحدود البحرية واجهة الأحداث السياسية والدبلوماسية بين المغرب وإسبانيا، مدفوعاً هذه المرة بكنوز استراتيجية ترقد في أعماق المحيط الأطلسي. ويأتي في صدارة هذه الثروات جبل “تروبيك” البحري، الذي تحول إلى نقطة جذب استراتيجية تثير اهتمام مدريد وتدفعها لتجديد المطالب والمقترحات بشأن إعادة ترسيم الحدود المائية بين البلدين.
يقع جبل “تروبيك” على بُعد مئات الكيلومترات قبالة السواحل المغربية، ويُعتبر كنزاً جيولوجياً نادراً لا تقتصر قيمته على كونه مجرد تضاريس تحت مائية، بل يمتد ليحتوي على احتياطات ضخمة من المعادن الحيوية والنادرة، مثل التيلوريوم، والكوبالت، والنيكل، وهي عناصر أساسية تدخل في صناعات التكنولوجيا الدقيقة والطاقة المتجددة وبطاريات السيارات الكهربائية. هذا الرصيد المعدني الهائل جعله محور تنافس صامت ودائماً يغذي النقاشات القانونية والسياسية بين الضفتين.
من الجانب الإسباني، تأتي التحركات والمطالب المستمرة متأثرةً بعدة اعتبارات رئيسية:
تأمين الموارد الاستراتيجية: تسعى إسبانيا لضمان موطئ قدم أو حصة من هذه المعادن الحيوية التي تضمن استدامة صناعاتها المستقبلية.
الوضوح القانوني الدولي: تستند مدريد أحياناً إلى معايير قانون البحار الدولي (اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار) في محاولة لضبط الامتداد الجرف القاري للطرفين.
الضغط السياسي الداخلي: تتابع الدوائر السياسية والإعلامية في إسبانيا هذا الملف بحساسية بالغة، نظراً لارتباطه المباشر بالأمن الطاقي والمعدني المستقبلي لأوروبا.
في المقابل، يتعامل المغرب مع هذا الملف من منطلق السيادة المطلقة وحقوقه السيادية على مجالاته البحرية وجرفه القاري، مدعوماً بترسانة قانونية وطنية صادرة في السنوات الأخيرة لتحديد وتأطير المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة. وترفض الرباط أي مساس بحقوقها التاريخية والجغرافية، معتبرة أن أي ترسيم يجب أن يتم وفق قواعد القانون الدولي العدل والإنصاف، وبما يحترم المصالح العليا للمملكة ووحدتها الترابية والبحرية.
بينما تُظهر التحركات الإسبانية رغبة مستمرة في فتح قنوات نقاش حول الحدود البحرية، يبدو أن جبل “تروبيك” والثروات المعدنية المحيطة به تمثل اختباراً حقيقياً لمستقبل العلاقات الثنائية. فهل يتحول هذا التنافس على الثروات إلى مدخل لتعاون استراتيجي مشترك يعود بالنفع على البلدين، أم يظل ورقة ضغط سياسية تخضع لحسابات الجغرافيا السياسية المتغيرة في المتوسط والأطلسي؟


