على ضفتي مضيق جبل طارق، حيث لا تفصل بين طنجة المغربية والجزيرة الخضراء الإسبانية سوى مسافة بحرية قصيرة، تتزامن تطورات سياسية وقضائية أعادت إلى الواجهة أسئلة حول المسؤولية السياسية، وأخلاقيات تدبير الشأن المحلي، وحدود العلاقة بين الأزمات التي تعصف بالمنتخبين في المدينتين.
ففي طنجة، لا يزال ملف منير ليموري، عمدة المدينة، يلقي بظلاله على المشهد السياسي المحلي، عقب إيداعه السجن على خلفية القضية المعروفة إعلامياً بملف أوراق التصويت، المرتبطة بشبهات خروقات انتخابية خلال الانتخابات التشريعية. وهي قضية تتابعها الأوساط السياسية والإعلامية باهتمام، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات والمساطر القضائية بشأن المسؤوليات المحتملة.
وعلى الجانب الإسباني، أعلن عمدة مدينة الجزيرة الخضراء، خوسيه إغناسيو لاندالوس، عزمه مغادرة منصبه يوم 25 أكتوبر الجاري، بعد سنوات من توليه رئاسة البلدية، في سياق أزمة سياسية وقضائية متصاعدة. وجاء الإعلان بعدما تعقدت وضعيته السياسية إثر فقدانه الدعم داخل حزبه، وتزامناً مع تحديد يوم 23 أكتوبر موعداً للمثول أمام القضاء في إطار تحقيق يتعلق بشكاوى تتضمن ادعاءات باعتداءات جنسية، وهي اتهامات ينفيها المعني بالأمر. كما كان مقرراً أن يناقش المجلس البلدي ملتمساً لحجب الثقة عنه يوم 28 أكتوبر.
هذا التزامن يطرح سؤالاً مشروعاً: هل نحن أمام مجرد مصادفة سياسية تجمع مدينتين متقابلتين جغرافياً، أم أن ما يجري يعكس تحولات أوسع في علاقة المسؤولين المحليين بالمساءلة السياسية والقضائية؟ وهل يمكن الحديث عن أي رابط بين القضيتين، بالنظر إلى القرب الجغرافي والعلاقات الاقتصادية والإنسانية التي تجمع المدينتين؟
حتى الآن، لا تتوفر معطيات موثوقة تثبت وجود علاقة مباشرة بين ملف عمدة طنجة وقرار عمدة الجزيرة الخضراء مغادرة منصبه. فلكل قضية سياقها الخاص، ومسارها القانوني والسياسي المختلف، كما أن استقالة المسؤول الإسباني تأتي في ظل أزمة داخلية مرتبطة بفقدان الدعم السياسي وملتمس حجب الثقة، إلى جانب تطورات قضائية تخصه.
غير أن أهمية الحدثين تكمن في ما يثيرانه من نقاش حول مفهوم المسؤولية السياسية، ومدى قدرة المؤسسات المنتخبة على الحفاظ على ثقة المواطنين في أوقات الأزمات. فهل يكفي أن يواجه المسؤول ضغوطاً سياسية حتى يغادر منصبه؟ ومتى تصبح الاستقالة تعبيراً عن تحمل المسؤولية، ومتى تكون نتيجة لحسابات حزبية أو محاولة لتدبير أزمة تهدد الاستمرار في السلطة؟
كما يفتح هذا التزامن النقاش حول طبيعة العلاقات بين طنجة والجزيرة الخضراء، باعتبارهما مدينتين بحريتين ترتبطان بحركة الملاحة والتجارة والسياحة والتبادل الإنساني عبر مضيق جبل طارق. فهل توجد آليات تعاون مؤسساتي بين الجماعتين يمكن أن تتيح تبادل الخبرات في الحكامة المحلية وتدبير الأزمات؟ وما حدود هذا التعاون، إن وجد، في ظل اختلاف الأنظمة السياسية والقانونية بين البلدين؟
إن القرب الجغرافي بين المدينتين لا يعني بالضرورة وجود ارتباط بين أزمتيهما، لكنه يمنح هذا التزامن دلالة تستحق القراءة والتحليل. فالمضيق الذي يجمع ضفتيه عبر البحر يضعهما أيضاً أمام أسئلة متشابهة حول الثقة في المؤسسات، والشفافية، والمساءلة، وضرورة الفصل بين المسؤولية السياسية والحكم القضائي.
وبينما تنتظر طنجة ما ستكشف عنه التحقيقات في قضية أوراق التصويت، تستعد الجزيرة الخضراء لمرحلة سياسية جديدة بعد إعلان عمدة مدينتها مغادرة المنصب. ويبقى السؤال الأهم: هل ستتحول هذه التطورات إلى فرصة لتعزيز قواعد الحكامة والمحاسبة في المدينتين، أم أنها ستظل مجرد أزمتين منفصلتين فرض تزامنهما على الرأي العام المقارنة بينهما؟


