انقضى منذ يومين عام جديد بأفراحه ومتاعبه، بحكاياته الحلوة والمرة أيضا، وبأحلامه التي تحققت والتي لم يكتب لها ذلك.
ومع حلول العام الجديد، سيشرع الجميع في الحديث عن الذي مضى، سيذكره البعض بأسف وحسرة بينما البعض الآخر سيشعرون بالارتياح لأنه انتهى، وأخذ معه كل همومه ومتاعبه… لِتأتي بعدها فترة أخرى، هي فترة الوقوف والتوقف، يضع الجميع خلالها مخططات للعام الجديد، ويقف كل امرىء مع ذاته للتأمل والتدبر ولمراجعة الحسابات واستخلاص العبر والدروس من كل ما مر به خلال العام المنقضي. هي فرصة يستغلها معظم الأشخاص لاتخاذ قرارات لبدايات جديدة، على أمل أن تكون صائبة. لكنها التزامات لا تدوم سوى بضعة أسابيع للأسف، وسرعان ما يتم التخلي عنها ونسيانها والعودة مجددا إلى العادات القديمة…فلا شيء يتغير بين عشية وضحاها.
كلنا نتخذ قرارات جديدة بمناسبة العام الجديد، لكن قلائل منا فقط هم الذين ينجحون في تنفيذها.
إن تحفيز النفس وتشجيعها على العمل هو علامة على تمتعنا بصحة عقلية جيدة ومتوازنة، حسب الأخصائيين النفسيين، لأن مجرد التفكير في مشروع ما، يجعل المرء يشعر بالثقة، وبالتالي فإنه يحافظ على الأمل بفضل هاته القرارات… ويقدم العلماء مثالا على ذلك، عندما يتخذ أي مدخن قرارا بالتوقف عن التدخين، على أمل إبعاد السرطان عن نفسه…
لطالما اتخذنا ونحن صغارا قرارات كان هدفها إرضاء الوالدين، من قبيل الاجتهاد في دراستنا والحصول على نقط أفضل وحاولنا الالتزام بالحفاظ على أغراضنا مرتبة. لكننا كبرنا، وكبرت معنا الآمال والالتزامات أيضا، وصرنا نقرر ونَعِد أنفسنا بالعناية بصحتنا والمواظبة على ممارسة الرياضة، والاقلاع عن التدخين، وايجاد عمل أفضل، وقراءة أكبر عدد من الكتب… قرارات أصعب من سابقاتها، هدفنا منها هو تحسين صورتنا لدى الآخرين، أكثر منه إرضاء لأنفسنا، وإن كانت في ظاهرها تبدو العكس.
يبدو أننا لا ننجح في تحقيق التزاماتنا، سواء كانت مهنية أو عائلية أو حتى رومانسية، لأنها أصلا غير قابلة للتنفيذ لكونها كانت تبدأ بصيغة “يجب”.
يرى علماء النفس أن الإنسان عادة يشعر بالنفور من أي شيء يفرض عليه، حتى ولو كان يرغب فيه من قبل. كما تكمن المشكلة في كون غالبية الناس يتخذون قرارات عامة أو لا تهمهم بصفة شخصية، لأنه من الصعب تحقيق أهداف عندما لا تكون محددة ولا تعكس احتياجاتنا الحقيقية. لذلك، فإن الوسيلة الأفضل من أجل الحفاظ على القرارات، هو وضع أهداف واضحة وواقعية، والأهم هو أن تتسم بالبساطة ومن شأنها أن تجلب وتحقق لنا سعادة، ولو مؤقتة.
ينصح أهل الاختصاص ببرمجة الدماغ أيضا، لأنه يعتبر أكبر وأهم عامل للنجاح. بمعنى آخر، أن يمنح الفرد نفسه فرصة جديدة حتى “يعيد” البحث عن عمل جديد، أو “يعيد” ربط علاقات مع أفراد من عائلته أو أصدقاء لم يرهم منذ مدة… المهم هو أنه “يعيد” محاولة شيء ما، بدل أن “يوجبه” أو “يفرضه” على نفسه. يوصون كذلك بمنح الأولوية لقرار واحد فقط على المستوى المهني، وآخر على المستوى العائلي، ويضعون من شروط النجاح أن تكون القرارات أو المخططات من تلك التي تعطي نتائج ملموسة في غضون الشهرين المواليين لبداية التنفيذ، كالتخلص من الملابس القديمة أو شراء حاسوب جديد أو تغيير لون غرفة النوم…
فهكذا، وهكذا فقط يمكننا أن ننجح في تحقيق القرارات التي نتخذها للعام الجديد… دعواتي لكم بالتوفيق في قراراتكم، وكل عام وأنتم ومن تحبون بصحة وسعادة.
لطيفة بجو

