عمل روائي جديد ومتميز تحت عنوان “مَسافاتُ حُبٍّ”، يصدر مؤخرا للروائي والأكاديمي المغربي البارز مبارك ربيع، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت. قام بمقاربته الروائي محمد أمنصور خلال لقاء نُظم على هامش فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط يوم 12 ماي الجاري.
أشار أمنصور إلى أن أحداث رواية “مسافات حب” تدور في ثلاثة فضاءات، وهي المغرب وفرنسا ويوغسلافيا، وشخصت حيوات ومصائر مجموعة من العائدين إلى أرض الوطن ومساراتهم المختلفة بين العالم الغربي وداخل المغرب وبين العالم القروي والحضري كذلك (سناء العائدة بعدما فشلت في دراستها بباريس، وفي علاقة الحب التي كانت تربطها بأمين، وأمين العائد بعد إنهاء دراسته في الطب والذي تُفرض عليه بعض العادات والتقاليد فيضحي بحبيبته سناء كي يتزوج “بنت العائلة” التي اختارتها له أمه عروسا، والطبيب أوكريم الذي تضطره الظروف إلى العودة إلى المغرب وحيدا دون حبيبته ويشتغل في الريف).
من خلال الأحداث، يلاحظ أن الرواية تناولت تحولات طرأت على حيوات الشخصيات في ظرفية تاريخية محددة، وهي جائحة كورونا، التي ضربت العالم بأسره، ومعها المغرب طبعا، والتي اعتبرها أمنصور ربما أول رواية تتطرق لموضوع كوفيد. كما رصدت مجهودات الأطقم الطبية وشخصت مصائر المصابين بالفيروس، وكذا آليات العلاج في مستشفى ميداني في مدينة مغربية. تتسلسل الأحداث، وتصور لنا الرواية تحولات وتغيرات عرفتها أنماط عيش الجميع وكذا الحركة التي طرأت في القرية والمدينة على حد سواء، وكيف أن الجائحة ألغت كل المسافات والحدود، جغرافية كانت أو إنسانية أو طبقية أو حتى مهنية.
البناء السردي لرواية الدكتور ربيع الجديدة “مسافات حب” ليس خطيا وتقليديا، بل ان الرواية تنمو وتمتد من خلال مسارات منفصلة. فهي تقدم شخصيات وقصص متعددة، ومصائر ومسارات مختلفة ومنفصلة ومتنوعة ومتشعبة ومتوازية كذلك، وبعضها تجد نفسها أحيانا متصلة وأخرى منفصلة حسب أحداث الرواية التي تنمو في فضاءات يصفها الكاتب بالبراعة التي عهدناها لديه، سواء للأماكن التي شهدت الأحداث باوربا والمغرب، أو للشخصيات نفسها التي تستكشف العمق الإنساني والمواقف والأوضاع الاجتماعية والعاطفية والوجودية، شخصيات يجمع بينها كونها عاشت جميعها جائحة كورونا رغم اختلاف أوضاعها وخصوصياتها أيضا (الطبيب، العروس، الأم، الزوج، الابن العاق…). كل ذلك بلغة جميلة وتراكيب سلسة، ومفردات أنيقة.
لقد تعددت مسارات الرواية ودلالاتها أيضا، وكوفيد هو الآخر ذكر بدلالة الحياة وهشاشتها وفضح وعرى عجز الإنسان وضعفه أمام قوة الطبيعة، كما بين روح التآزر والتضامن الذي خلقه بين بني البشر. كل هذه المسارات جعلت أمنصور يتساءل ويطرح أسئلة فلسفية شيئا ما من قبيل: أين تبدأ الحياة؟ وأين يبدأ الموت؟ وما هو الحدث الأصلي بينهما؟ ما حيلة الإنسان أمام الموت؟ هل يمكن العيش بدون حب؟ ما هي الآفاق التي تبقى مفتوحة أمام الإنسان في غياب الحب؟ وهل يمكن للعلاقات التعويضية كالصداقات، أن تحل محل الحب؟…
إلى جانب تعدد الشخصيات والمسارات، فقد تعددت الأنماط الكلامية أيضا في رواية “مسافات حب”. فهي تشتمل على الرسالة والتغريدة والخبر الصحفي، وكأن الكاتب ربيع أصبح مؤرخا يدون حدث كوفيد، وأقدار ومآلات ومصائر الشخصيات في الرواية… وإن كانت كتابة المؤرخ تختلف عن كتابة الروائي.
جدير بالذكر أن مسيرة مبارك ربيع الكتابية طويلة، حيث انطلقت منذ أزيد من نصف قرن، ألف خلالها مجموعات قصصية، وروايات، وكتب للأطفال، والعديد من الدراسات الأكاديمية؛ فالدكتور ربيع قاص وروائي، وباحث وأكاديمي، يكتب في عدة حقول معرفية وحول مختلف التحولات التي تطرأ على المجتمع المغربي. من بين مؤلفاته: “الطيبون”، و”الريح الشتوية”، و”بدر زمانه”، و أحمر أسود”، و”المدرسة والذكاء”.
لطيفة بجو

