شهدت مدينة طنجة، خلال الأيام الأخيرة، ارتفاعًا ملحوظًا في عدد حالات الانتحار، ما أثار قلقًا واسعًا في الأوساط المجتمعية والطبية. وإذا كانت مدينة شفشاون قد ارتبطت لسنوات بهذه الظاهرة، فإن انتقال بؤرتها إلى طنجة، إحدى أكبر الحواضر الاقتصادية في المغرب، يدفع إلى التساؤل عن الأسباب والدوافع الكامنة وراء ذلك.
يرى عدد من المختصين أن هذا التصاعد يعكس ضغوطًا متراكمة نفسية واقتصادية واجتماعية، في ظل استمرار البطالة وتقلص فرص الإدماج المهني والاجتماعي، خاصة في صفوف الشباب. كما أن غياب ثقافة العلاج النفسي، واستمرار الوصم المرتبط بالأمراض النفسية، يُعدان عاملين أساسيين في تفاقم الوضع.
في هذا السياق، رصدت إنفوسوسيال شهادات حية من مواطنين طنجاويين:
أ. م. (26 سنة)، عاطل عن العمل، يقول: “الضغط الاقتصادي واقع لا يمكن إنكاره. الكثير من الشباب في طنجة يعيشون حالة من الإحباط بسبب البطالة وغياب الأمل، ما يدفع بالبعض إلى اتخاذ قرارات مأساوية”.
من جانبه، يرى ر. ب. (طالب جامعي) أن “الصحة النفسية لا تحظى بالاهتمام الكافي داخل المجتمع المغربي، ولا تزال نظرة العيب مرتبطة بالعلاج النفسي. يجب أن نوفر الدعم والتوعية الكافية للمصابين بالاكتئاب والقلق”.
أما ي. س. (فاعل جمعوي)، فأشار إلى “الحاجة الملحة إلى توسيع شبكة المراكز المتخصصة في العلاج النفسي، وتكوين الكوادر الطبية لمواكبة الحالات النفسية الطارئة، خاصة بعد تزايد الحالات المسجلة في المدينة خلال الأيام الأخيرة”.
بدوره، قال م. ك. (أستاذ) إن “الانتحار لا يرتبط فقط بالفقر، بل أيضًا بالوحدة وانعدام التواصل الاجتماعي. نحتاج إلى تغيير عميق في نظرة المجتمع للصحة النفسية، وذلك من خلال برامج توعوية في المؤسسات التعليمية والفضاءات العمومية”.
وفي تصريح خاص لـإنفوسوسيال، قال الدكتور سفيان الرامي، أخصائي في الأمراض النفسية والعصبية:
“هناك ارتفاع فعلي في الطلب على الاستشارات النفسية، لكن للأسف يبقى العرض ضعيفًا جدًا، سواء من حيث عدد المتخصصين أو البنية التحتية. الصحة النفسية لا يمكن فصلها عن باقي أبعاد التنمية، ويجب إدماجها بشكل فعلي في السياسات العمومية وخاصة في المدن الكبرى مثل طنجة، حيث الضغط أكبر والخدمات أضعف.”
وبحسب تقرير صادر عن المرصد المغربي للصحة النفسية سنة 2023، فإن المغرب لا يتوفر سوى على طبيب نفسي واحد لكل 100 ألف نسمة، وهو رقم بعيد جدًا عن توصيات منظمة الصحة العالمية.
وتبقى هذه الأصوات مجرد عيّنة من واقع متشعب، يستدعي تدخلًا شاملاً وعاجلاً، سواء على مستوى التوعية، أو على صعيد تقديم الدعم النفسي والاجتماعي، مع كسر الطابوهات المرتبطة بالعلاج النفسي وخلق بيئة داعمة وآمنة لجميع الفئات، خصوصًا الشباب.

