يتواصل الجدل في إقليم ويلبا الإسباني بعد أن كشفت النقابة العمالية (CCOO) عن ما وصفته بظروف مهينة ولا إنسانية تعيشها عاملات مغربيات تم التعاقد معهن للعمل في موسم جني الفواكه بإحدى المزارع المحلية. القضية التي تفجرت إثر شكاية تقدمت بها النقابة لمفتشية الشغل، سلطت الضوء على انتهاكات صارخة للقوانين العمالية والحقوق الإنسانية، ما أثار موجة استنكار في الأوساط النقابية والحقوقية على حد سواء.
ووفقاً لما أوردته النقابة في بيان رسمي نُشر على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام الإسبانية، فقد تم التخلي عن العاملات المغربيات بعد أسابيع قليلة فقط من مباشرة عملهن داخل المزرعة، مما جعلهن في وضعية اجتماعية واقتصادية مزرية، دون دخل ولا أي شكل من أشكال الدعم. وأكدت النقابة أن العاملات لم يحصلن على عقود عمل رسمية ولا على كشوفات أجور، كما لم تُوفر لهن الوثائق الضرورية للإقامة والعمل، ما جعلهن في وضعية قانونية غير مستقرة وسط بلاد أجنبية.
الأمر ازداد تعقيداً في ظل الحالة الإنسانية الهشة لإحداهن، وهي حامل في شهرها الخامس، ما يرفع من منسوب القلق بشأن سلامتها وصحتها في ظل غياب أي تغطية صحية أو رعاية طبية ملائمة. وأشارت النقابة إلى أن العاملات أرسلْن ما حصلْن عليه من أجور هزيلة خلال شهر أبريل إلى أسرهن في المغرب، ليجدن أنفسهن بعد ذلك دون موارد مالية تكفي لسد حاجياتهن اليومية، وهو ما أدى إلى دخولهن في دوامة من الفقر والتهميش.
الجانب المثير في القضية أن العاملات لم يُمنحن حتى الحد الأدنى من الدعم الإنساني بعد التخلي عنهن، بل تعرضن لما وصفته النقابة بـ”الضغط والترهيب” من طرف مسؤولة عن المزرعة وصاحب الشركة، حيث طُلب منهن مغادرة التراب الإسباني دون أي وساطة قانونية أو مساعدة لوجستية. النقابة كشفت، عبر بيانها، عن تهديدات وجهها صاحب الشركة لممثليها، رافضاً بشكل قاطع تسوية أوضاع العاملات أو الاعتراف بمسؤوليته المباشرة عن ما آلت إليه أوضاعهن.
وأمام هذه المعطيات، أصبحت العاملات يعشن في خوف دائم من الطرد أو التعرض لانتقام محتمل، وهو ما دفعهن لتجنب الظهور أو البقاء داخل أماكن إقامتهن خلال النهار. كما اعتبرت النقابة أن توقف العمل بشكل شبه كلي، بنسبة تفوق 85% من مدة العقد المفترض، يُعد خرقاً واضحاً لبنود برنامج التشغيل من بلد المنشأ، وانتهاكاً لحقوق العاملات كمهاجرات يخضعن لاتفاقيات دولية تضمن الحد الأدنى من الحماية القانونية والمهنية.
ودعت “CCOO” إلى تدخل عاجل لتسوية الوضع القانوني والمهني للعاملات، وضمان حمايتهن من أية أعمال انتقامية، إضافة إلى محاسبة الشركة المعنية وكافة الجهات الإدارية التي تقاعست في مراقبة ظروف العمل وضمان احترام القانون. كما أكدت النقابة أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام “التلاعب بكرامة وحقوق النساء العاملات”، معتبرة أن ما حصل يُسيء إلى صورة القطاع الفلاحي الإسباني، الذي يعتمد في جزء كبير من دورته الإنتاجية على اليد العاملة القادمة من دول الجنوب، وعلى رأسها المغرب.
تظل هذه القضية شاهداً صارخاً على هشاشة أوضاع العمال والعاملات الموسميين بالخارج، وتعيد إلى الواجهة الأسئلة الحارقة حول فعالية الرقابة، وضرورة مراجعة آليات التعاقد الدولي، بما يضمن حماية فعلية للعاملات المهاجرات، ويحول دون تكرار سيناريوهات الاستغلال التي تقوض حقوق الإنسان باسم العائدات الاقتصادية.

