لا يحتاج زائر طنجة إلى كثير من الوقت ليكتشف أن فوضى السير لم تعد مجرد سلوك فردي، بل تحولت إلى ظاهرة جماعية تعكس اختلالاً عميقاً في مفهوم النظام والمواطنة واحترام القانون. فالمدينة التي تتفاخر بسرعة نموها العمراني والاقتصادي تعيش على وقع مشاهد يومية تُظهر أن الطرق ليست وحدها المتهالكة، بل إن الثقافة المرورية أيضاً تعيش انهياراً مقلقاً.
في شوارع السواني وبني مكادة وطريق الرباط ومسنانة والبرانص ودرادب، تتكرر السلوكيات نفسها: سيارات تُركن في الممر الثاني وربما الثالث دون أدنى إحساس بالمسؤولية، شاحنات صغيرة تقطع الطريق متى تشاء ودون الإشارة اللازمة، دراجات نارية تسير عكس الاتجاه كأن قانون السير مجرد خيار، وراجلون يعبرون من أي نقطة دون احترام ممرات الراجلين. إنها فوضى لا تُفسَّر إلا بغياب تام لثقافة النظام، وبضعفٍ بيّن في المراقبة، وبتراخٍ غريب من الجهات المسؤولة.
الأزمة الأخطر تكمن في أن هذه الفوضى أصبحت “عادياً يومياً”، وكأن الساكنة اقتنعت بأن الشارع فضاء بلا ضوابط. فالمواطن الذي يركن سيارته في ممر الطوارئ أو فوق الرصيف لا يرى في ذلك مخالفة، بل يعتبره “حقاً مشروعاً” ما دام الآخرون يفعلون الشيء نفسه. والسائق الذي يعرّض حياة الناس للخطر بحجة الاستعجال يبرر سلوكه بأن “الجميع يفعل ذلك”. هكذا تتحول الفوضى إلى نظام بديل، ويتحول احترام القانون إلى سلوك هامشي.
هذه الممارسات لا تحدث في فراغ، بل تنمو في ظل غياب تطبيق صارم للقانون. فالمراقبة تكاد تكون شكلية، والتدخلات محتشمة، والعقوبات نادرة وغير رادعة. ومع أن المدينة تتوفر على شرطة مرور وإمكانيات بشرية محترمة، إلا أن حضورها لا يوازي حجم الفوضى، ولا ينعكس على الشارع بما يفرض النظام ويحمي حياة المواطنين.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل المشكلة في قلة الموارد أم في غياب الإرادة؟
من الصعب تصور مدينة مثل طنجة، التي تستقبل ملايين الزوار سنوياً وتعد واجهة اقتصادية للمغرب، تعجز عن فرض نظام مروري يحفظ الحد الأدنى من الانضباط. فالفوضى المستشرية لا تسيء فقط إلى سكان المدينة، بل تسيء لصورتها كمدينة حديثة. كيف يمكن لمدينة تطمح لتكون عاصمة استثمارية أن تقنع الزوار والمستثمرين بجدية مؤسساتها وهي تعجز عن تنظيم أبسط قواعد المرور؟
المشكلة أعمق من مجرد سيارات مركونة عشوائياً أو دراجات نارية تسير في الاتجاه المعاكس. إنها أزمة مواطنة. أزمة سلوك قبل أن تكون أزمة قانون. فالمواطنة الحقيقية لا تُمارَس في الصناديق الانتخابية فقط، بل في احترام الفضاء العام والالتزام بالنظام، وفي إدراك أن الشارع ملك للجميع، وأن الفوضى ليست حرية بل اعتداء على الآخرين.
وفي ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يغيب الحديث عن هذه الظواهر من أجندات عدد من المنتخبين الذين انشغلوا بحسابات الكراسي والتحالفات، بينما تُترك المدينة لمصيرها، تسير بلا قانون، وتعيش تناقضاً صارخاً بين صورتها الرسمية وواقعها المروري الفوضوي.
طنجة اليوم في حاجة إلى نهضة حقيقية في تدبير الشأن المروري: مراقبة فعالة، عقوبات رادعة، حملات توعية دائمة، وتنزيل حقيقي لمفهوم المواطنة. فالقانون ليس شعاراً، والمواطنة ليست خطابات، والمدينة لا يمكن أن تتطور بينما شوارعها تُدار بمنطق «أنا والطوفان من بعدي».
حتى يتحقق ذلك، ستظل فوضى السير مرآة واضحة لغياب الانضباط، ولعجز منظومة كاملة عن حماية النظام العام، ولتراكم سنوات من التساهل الذي فجّر واقعاً لا يشبه مدينة تطمح إلى المستقبل.

