عاشت مدينة طنجة، تزامناً مع استضافة نهائيات كأس إفريقيا، أبهى فتراتها؛ شوارع نظيفة، فضاءات عامة منظمة، واستنفار أمني وخدماتي “غير مسبوق”. غير أن هذا “الكمال المشهدي” أخفى وراءه مفارقة أثارت انتباه الساكنة: أين اختفى فجأة أطفال الشوارع والأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية، والذين كانوا جزءاً من المشهد اليومي للمدينة؟
سجل عديد من المواطنين “خلو الفضاءات العمومية والساحات الكبرى بشكل شبه تام من هذه الفئات الهشة طيلة أيام التظاهرة، مما عزز فرضية أن هذا الغياب لم يكن وليد الصدفة”، بل نتاج حملات “تطهيرية” استهدفت تحسين صورة المدينة أمام الزوار وعدسات الكاميرات، وإخفاء “الوجه الآخر” الذي قد يخدش جمالية العرس الكروي.
هذا “الاختفاء المريب” يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات مشروعة حول ديمومة هذه الإجراءات، هل نحن أمام استراتيجية جديدة لمعالجة الظاهرة من جذورها، أم أن الأمر لا يعدو كونه “تدبيراً مناسباتياً” ينتهي بانتهاء الحدث، لتعود “حليمة إلى عادتها القديمة”، ويعود هؤلاء إلى أرصفة البؤس بمجرد مغادرة آخر ضيف؟
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن المقاربة المعتمدة غالباً ما تركز على “الجمالي” و”الأمني” خلال المواعيد الكبرى، مغفلة الجانب الإنساني والاجتماعي، فإخفاء أطفال الشوارع والمرضى النفسيين لا يعني حل مشاكلهم المرتبطة بالفقر، التفكك الأسري، وغياب مراكز الإيواء والعلاج، بل هو مجرد “كنس للغبار تحت السجادة”.
وأضافت ذات المصادر، أن النجاح الحقيقي لأي تظاهرة بحجم “الكان” لا يقاس فقط بجودة الملاعب وانسيابية المرور، بل بمدى قدرة المدينة على صون كرامة فئاتها الأكثر هشاشة. فالمدن الذكية والمتحضرة هي التي تدمج مواطنيها، لا التي تخفيهم قسراً لتجميل الصورة.
ويبقى السؤال معلقاً برسم الأيام القادمة: هل شكلت فترة “الكان” صحوة ضمير ومقدمة لسياسة حماية اجتماعية مستدامة، أم كانت مجرد واجهة “براقـة” سرعان ما سيسقط قناعها ليعود الواقع المؤلم إلى شوارع البوغاز؟

