مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية والجماعية المرتقبة في شتنبر، تعيش مدينة طنجة على وقع حركية سياسية غير مسبوقة، عنوانها الأبرز “حرب التزكيات” داخل الأحزاب، وصراع محتدم حول وكلاء اللوائح، في مشهد يعكس تحولات عميقة في الخريطة الانتخابية بالمدينة.
في كواليس الأحزاب، لم تعد المعركة تقتصر على مواجهة الخصوم السياسيين، بل تحولت إلى صراعات داخلية حادة بين الطامحين لقيادة اللوائح. أسماء وازنة تسعى لتثبيت مواقعها، وأخرى صاعدة تحاول فرض نفسها بقوة، مستفيدة من تغير المزاج العام للناخب الطنجاوي الذي أصبح أكثر انتقادًا وأقل تسامحًا مع الوعود غير المحققة. هذه الدينامية خلقت حالة من التوتر داخل عدد من التنظيمات الحزبية، حيث أضحت التزكية بمثابة “مفتاح السلطة”، بل وشرارة لخلافات قد تصل إلى الانشقاق أو التمرد التنظيمي.
لكن ما يميز هذا الاستحقاق الانتخابي ليس فقط حدة الصراع الداخلي، بل أيضًا تصاعد ما يمكن وصفه بـ”حرب الشائعات” و”المعارك الإلكترونية” التي تُدار في الخفاء وعلى منصات التواصل الاجتماعي. صفحات فايسبوكية وحسابات مجهولة دخلت على خط التنافس، تروّج أخبارًا غير مؤكدة حول حسم التزكيات أو إقصاء أسماء بعينها، في محاولة للتأثير على الرأي العام أو إرباك الخصوم داخل الحزب نفسه. هذه الحملات، التي تتراوح بين التسريبات الموجهة والأخبار المغلوطة، باتت سلاحًا جديدًا في معركة انتخابية مبكرة، تدار أحيانًا خارج الضوابط الأخلاقية والسياسية.
وفي هذا السياق، يجد المواطن الطنجاوي نفسه أمام سيل من المعلومات المتضاربة، يصعب التحقق من مصداقيتها، ما ينعكس بشكل مباشر على مستوى الثقة في العملية السياسية برمتها. فمع تكرار سيناريو “الإشاعات الانتخابية” وغياب التواصل الرسمي الواضح من طرف بعض الأحزاب، تتآكل الثقة تدريجيًا في وكلاء اللوائح وفي مصداقية الوعود التي يتم الترويج لها.
المعطيات الميدانية تشير كذلك إلى أن معايير اختيار وكلاء اللوائح لم تعد مرتبطة فقط بالكفاءة أو التجربة، بل دخلت على الخط اعتبارات أخرى، من بينها القدرة المالية، وحجم التأثير الرقمي، وشبكات العلاقات والنفوذ. وهو ما يثير نقاشًا واسعًا حول ما إذا كانت الأحزاب تسير نحو تجديد حقيقي لنخبها، أم أنها تعيد إنتاج نفس الآليات بوسائل جديدة، هذه المرة عبر الفضاء الرقمي.
في الشارع، تتباين الآراء: فهناك من يرى في هذا الصراع فرصة لفرز نخب جديدة وكشف كواليس العمل الحزبي، فيما يعتبره آخرون دليلاً إضافيًا على أزمة ثقة عميقة بين المواطن والفاعل السياسي. وتبقى المعضلة الأساسية هي قدرة الأحزاب على استعادة هذه الثقة، ليس فقط عبر اختيار وجوه جديدة، بل من خلال تقديم برامج واقعية والتزام فعلي بقضايا المدينة.
ومع اقتراب لحظة الحسم، تبدو طنجة أمام مفترق طرق سياسي حاسم: إما القطع مع ممارسات الماضي، بما فيها توظيف الإشاعة والتضليل، أو الاستمرار في نفس النهج الذي قد يعمق العزوف الانتخابي. وفي كلتا الحالتين، تظل “حرب التزكيات” ومعها “الحرب الإلكترونية” مؤشرين واضحين على أن معركة شتنبر لن تكون عادية، بل ستحدد ملامح الثقة السياسية في المدينة لسنوات قادمة.

