تحولت الكائنات الدقيقة المستقرة في قاع البحر قبالة طنجة إلى ما يشبه “الأرشيف الحي” الذي يسجل بصمت التغيرات البيئية الساحلية، في دراسة علمية مغربية حديثة تبحث إمكان الاستعانة بهذه الكائنات لفهم حالة البيئة البحرية، إلى جانب التحاليل المعتادة لعينات المياه والرواسب.
وتسلط الدراسة، المنشورة الاثنين ضمن سلسلة “إي 3 إس ويب أوف كونفرنسز”، الضوء على كائنات بحرية مجهرية تعرف باسم “الفورامنيفرا القاعية”.
ويتتبع الفريق البحثي، الذي يضم محمد برعادي وعبد الله ترانكيل وأيوب البقالي وهيثم أفيلال وعبد الحميد روسي، تنوع هذه الكائنات وتوزعها على ساحل طنجة، وما يمكن أن تقدمه من مؤشرات عن الظروف البيئية المحيطة بها.
وتعيش هذه الكائنات، التي لا ترى بالعين المجردة، داخل الرمال والأوحال في قاع البحر. وتكمن أهميتها العلمية في تأثرها بالتغيرات التي يعرفها محيطها، إذ يمكن لاختلاف حرارة المياه أو ملوحتها ومستويات الأكسجين وطبيعة الرواسب وتراكم المواد العضوية أن ينعكس على انتشار بعض الأنواع وتراجع أنواع أخرى.
ويتيح فحص هذا السجل الحي تتبع تحولات لا تكشفها دائما عينة مياه مأخوذة في وقت محدد. فبينما تعبر العينة عن حالة المياه لحظة جمعها، تحتفظ رواسب القاع بجزء من المواد التي تنقلها التيارات ومصبات الأودية ومختلف الأنشطة الساحلية، وتسمح بدراسة آثارها خلال فترة أطول.
وتنقل هذه المقاربة المراقبة من الانطباع البصري المرتبط بصفاء المياه أو نظافة الشاطئ إلى فحص ما يستقر في الأعماق، حيث يمكن للكائنات المجهرية أن تقدم مؤشرات بيولوجية تكمل نتائج التحاليل الفيزيائية والكيميائية.
ولا تهدف الاستعانة بهذه الكائنات إلى إصدار حكم سريع بشأن تلوث الساحل أو سلامته، إذ لا يكفي وجود نوع معين أو اختفاؤه للوصول إلى خلاصة قاطعة.
وتكتسب النتائج دلالتها عند مقارنة تنوع الأنواع وكثافتها بين نقاط مختلفة، وربطها بطبيعة الرواسب وخصائص المياه في كل موقع.
وتنبع أهمية البحث من الخصائص المعقدة لساحل طنجة، الواقع عند التقاء البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي، والخاضع لحركة تيارات قوية ومتغيرة، فضلا عن الأنشطة المينائية والسياحية والعمرانية المنتشرة بمحاذاته.

