ُعد المغرب من أقدم الدول ذات السيادة في العالم، إذ يمتد تاريخ الدولة المغربية لأكثر من اثني عشر قرناً دون انقطاع، وهو ما يجعل المملكة المغربية واحدة من أعرق الملكيات المستمرة عبر التاريخ. فمنذ تأسيس أول دولة مغربية مستقلة في أواخر القرن الثامن الميلادي، تعاقبت على حكم البلاد عدة أسر حاكمة، ساهمت في بناء الدولة وتوسيع نفوذها وترسيخ هويتها الحضارية، وصولاً إلى العرش العلوي المجيد بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
دولة الأدارسة.. بداية الدولة المغربية
يُجمع المؤرخون على أن الدولة الإدريسية شكلت اللبنة الأولى للدولة المغربية المستقلة، عندما أسسها المولى إدريس الأول سنة 788م، بعد قدومه إلى المغرب واستقراره بمدينة وليلي. وتمكن من توحيد عدد من القبائل المغربية ووضع أسس الدولة.
وبعده، واصل المولى إدريس الثاني بناء الدولة، وأسس مدينة فاس التي أصبحت لاحقاً عاصمة علمية وثقافية وسياسية للعالم الإسلامي.
المرابطون.. بناء الإمبراطورية المغربية
في القرن الحادي عشر، برزت الدولة المرابطية بقيادة يوسف بن تاشفين، الذي وحد المغرب وأسس مدينة مراكش سنة 1070م، كما امتد نفوذ الدولة إلى الأندلس، حيث لعبت دوراً محورياً في الدفاع عن المسلمين خلال معركة الزلاقة سنة 1086م.
الموحدون.. عصر القوة والازدهار
خلف المرابطين الموحدون بقيادة عبد المؤمن بن علي، الذي أسس واحدة من أكبر الإمبراطوريات الإسلامية في الغرب الإسلامي. وشهد المغرب خلال هذه المرحلة ازدهاراً في العمران والعلوم والفنون، كما عرفت البلاد بناء معالم تاريخية ما تزال شاهدة على تلك الحقبة.
المرينيون والوطاسيون.. إشعاع علمي وثقافي
واصل المرينيون تعزيز مكانة المغرب، فاهتموا بالعلم والتعليم، وشيدوا المدارس العتيقة الشهيرة في فاس ومكناس وسلا، قبل أن يخلفهم الوطاسيون في مرحلة اتسمت بتحديات سياسية وعسكرية نتيجة الضغوط الخارجية.
السعديون.. الدفاع عن السيادة الوطنية
في القرن السادس عشر، برزت الدولة السعدية بقيادة السلطان أحمد المنصور الذهبي، الذي قاد المغرب إلى مرحلة من القوة والرخاء الاقتصادي. ومن أبرز المحطات التاريخية في عهده معركة وادي المخازن سنة 1578م، التي حقق فيها المغرب نصراً تاريخياً عزز استقلاله وسيادته.
الدولة العلوية.. استمرارية الدولة المغربية
منذ سنة 1666، يتولى العرش العلوي قيادة المملكة المغربية، وهو العرش الذي نجح في الحفاظ على وحدة البلاد واستقلالها عبر مختلف المراحل التاريخية.
وتعاقب على حكم الدولة العلوية عدد من السلاطين والملوك الذين تركوا بصمات بارزة في تاريخ المغرب، من أبرزهم:
- المولى الرشيد: مؤسس الدولة العلوية.
- المولى إسماعيل: وحد البلاد وأقام دولة قوية، وجعل مكناس عاصمة للمملكة.
- سيدي محمد بن عبد الله: عزز العلاقات الدولية للمغرب، وكان من أوائل الحكام الذين اعترفوا باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية.
- المولى الحسن الأول: عمل على توحيد مختلف جهات المملكة وتعزيز الإدارة المركزية.
- السلطان محمد الخامس: قاد معركة الاستقلال، وعاد من المنفى سنة 1955 ليقود المغرب نحو استعادة سيادته سنة 1956، ويعد رمزاً للوحدة الوطنية.
- الملك الحسن الثاني: قاد المملكة لأكثر من ثلاثة عقود، وعرفت البلاد خلال عهده مشاريع تنموية كبرى، كما شكلت المسيرة الخضراء سنة 1975 محطة تاريخية بارزة في استكمال الوحدة الترابية للمملكة.
الملك محمد السادس.. عهد الإصلاح والتنمية
في 30 يوليوز 1999، اعتلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين، ليقود المملكة نحو مرحلة جديدة عنوانها الإصلاح والتحديث والتنمية الشاملة.
وشهد المغرب في عهده إطلاق أوراش استراتيجية كبرى، من بينها ميناء طنجة المتوسط، وتطوير شبكة الطرق السيارة والقطار فائق السرعة، ومشاريع الطاقات المتجددة، إلى جانب تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح المنظومة الصحية، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز مكانة المغرب قارياً ودولياً.
كما رسخ جلالته سياسة خارجية نشطة جعلت المملكة شريكاً أساسياً في مجالات الأمن والتنمية والاستثمار، وعززت حضورها في إفريقيا والعالم العربي وأوروبا.
تاريخ متواصل ورؤية للمستقبل
إن تاريخ ملوك المغرب ليس مجرد تعاقب للحكام، بل هو تاريخ دولة حافظت على استمراريتها ووحدتها لأكثر من اثني عشر قرناً. ومن الأدارسة إلى الدولة العلوية، ظل العرش المغربي رمزاً للاستقرار والاستمرارية، وعاملاً أساسياً في ترسيخ هوية المملكة وصيانة وحدتها.
وبمناسبة الاحتفال بعيد العرش المجيد، يستحضر المغاربة هذا الإرث التاريخي العريق بكل فخر واعتزاز، مؤكدين تشبثهم بثوابت الأمة ووحدتها، ومواصلتهم مسيرة البناء والتنمية تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.


