مع انطلاق الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية، تدخل طنجة مرحلة سياسية جديدة عنوانها الأبرز التنافس على خمسة مقاعد برلمانية، في سباق يجمع بين أسماء راكمت سنوات طويلة من التجربة السياسية والبرلمانية، ووجوه جديدة تخوض غمار المنافسة لأول مرة، إلى جانب شخصيات قادمة من مجالات مختلفة، من السياسة والثقافة والرياضة والعمل الجمعوي والاقتصادي.
المشهد الانتخابي بطنجة يبدو هذه المرة متنوعاً من حيث الأعمار والتجارب والخلفيات السياسية والمهنية. هناك من يدخل السباق وهو يحمل معه تجربة طويلة داخل المؤسسات المنتخبة، وهناك من يحاول تقديم نفسه باعتباره عنواناً للتجديد وفتح المجال أمام جيل جديد من الكفاءات.
لكن بعيداً عن الأسماء والألوان الحزبية، يفرض هذا المشهد سؤالاً أساسياً نفسه بقوة: ماذا يستطيع كل مترشح أن يقدم لمدينة طنجة؟ وهل يتعلق الأمر بمجرد الرغبة في الوصول إلى البرلمان، أم أن لكل مترشح مشروعاً واضحاً ورؤية حقيقية للدفاع عن مصالح المدينة وسكانها؟
وجود شخصيات راكمت سنوات طويلة من العمل السياسي والبرلماني يمكن أن يشكل قيمة مضافة، بالنظر إلى ما تمنحه التجربة من معرفة بالمؤسسات والقوانين وآليات العمل البرلماني. غير أن التجربة وحدها لا تكفي، كما أن عامل السن لا يمكن أن يكون معياراً وحيداً للحكم على قدرة أي شخص على العطاء.
وفي المقابل، فإن حضور وجوه جديدة وشابة يطرح بدوره سؤالاً آخر: هل يكفي أن يكون المترشح شاباً أو يخوض التجربة لأول مرة حتى يستحق ثقة الناخب؟ الجواب بالتأكيد لا. فالتجديد الحقيقي لا يرتبط بالعمر فقط، وإنما بالكفاءة والأفكار والقدرة على تحمل المسؤولية وتقديم حلول واقعية لمشاكل المواطنين.
طنجة اليوم مدينة مختلفة عن طنجة الأمس. مدينة تعرف توسعاً عمرانياً واقتصادياً وسكانياً متسارعاً، وتحتضن مشاريع كبرى وتواجه في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بالنقل والتشغيل والسكن والخدمات الصحية والتعليم والبنية التحتية والبيئة والاستثمار وتنمية الأحياء.
ولهذا فإن الناخب الطنجي سيكون أمام مسؤولية اختيار ممثل لا يكتفي بالحضور خلال الحملة الانتخابية، وإنما يستطيع أن يحمل ملفات المدينة إلى البرلمان، وأن يحول الوعود الانتخابية إلى مبادرات ومواقف وترافع مؤسساتي.
المثير في هذه الانتخابات هو اختلاف الخلفيات. فهناك السياسي المخضرم، والبرلماني السابق، والمنتخب المحلي، والمهني، والفاعل الاقتصادي، والشخصية الرياضية أو الثقافية، إلى جانب أسماء تدخل الحياة السياسية للمرة الأولى. وكل واحد من هؤلاء يدخل السباق برصيد مختلف، وبحسابات مختلفة، وبطموح للوصول إلى أحد المقاعد الخمسة.
لكن الناخب ليس مطالباً فقط بمعرفة اسم الحزب أو شهرة المترشح. بل من حقه أن يسأل: ماذا قدم هذا الشخص في مساره السابق؟ ماذا سيقدم إذا وصل إلى البرلمان؟ ما الملفات التي سيدافع عنها؟ وما الذي يميزه عن باقي المتنافسين؟
وفي هذا السياق، تأتي مسألة النزاهة الانتخابية لتحتل موقعاً مركزياً في بداية الحملة. فقد تم التأكيد، خلال اللقاء الذي سبق انطلاق الحملة، على ضرورة احترام القانون، وعدم استعمال المال أو النفوذ أو أي وسيلة من شأنها التأثير غير المشروع على إرادة الناخبين، مع التشديد على أهمية تكافؤ الفرص واحترام قواعد المنافسة الانتخابية.
وهي رسائل يفترض أن تشكل التزاماً جماعياً لدى جميع المتنافسين، لأن الانتخابات الديمقراطية لا تقاس فقط بعدد الأصوات التي يحصل عليها الفائز، وإنما أيضاً بالطريقة التي وصل بها إلى تلك الأصوات.
طنجة لا تحتاج إلى مرشح يملك المال فقط، ولا إلى مرشح مشهور فقط، ولا إلى مرشح شاب لمجرد أنه شاب، ولا إلى مرشح مخضرم لمجرد أنه يمتلك تجربة طويلة. المدينة تحتاج إلى من يجمع بين الكفاءة والنزاهة والتجربة والقدرة على التجديد، ومن يستطيع أن يجعل من المقعد البرلماني مسؤولية حقيقية وليس مجرد امتياز سياسي.
خمسة مقاعد فقط، أمامها أسماء متعددة وأجيال مختلفة وتجارب متباينة. البعض يدخل للدفاع عن رصيد سابق، والبعض الآخر يبحث عن العودة، فيما يراهن آخرون على تقديم أنفسهم كبديل جديد.
وفي النهاية، تبقى الكلمة للناخب.
فصندوق الاقتراع هو الذي سيحسم من سيمثل طنجة، ومن سيحصل على ثقة سكانها، ومن سيكون قادراً على تحويل تلك الثقة إلى عمل داخل المؤسسة التشريعية.
وبين الخبرة والتجديد، وبين الأسماء المعروفة والوجوه الجديدة، سيكون السؤال الحقيقي الذي ستجيب عنه هذه الانتخابات واضحاً: هل تختار طنجة الاستمرار، أم التجديد، أم أنها ستبحث عن مزيج يجمع بين خبرة الماضي ورؤية المستقبل ؟!


