لم تكن طنجة، المدينة التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز واجهات المغرب على المتوسط، في حاجة إلى قضية جديدة تهز صورتها وتفتح باباً واسعاً من الأسئلة حول نزاهة العملية الانتخابية والمسؤولية السياسية والأخلاقية للمنتخبين.
فما جرى داخل وحول أحد مكاتب التصويت بمدرسة القدس بحي كاساباراطا يوم الأربعاء، لم يعد مجرد واقعة انتخابية عابرة. القضية أخذت مساراً قضائياً، وتوسعت التحقيقات، وتم توقيف عدد من الأشخاص على خلفية الوقائع المرتبطة بالعملية الانتخابية، لتجد طنجة نفسها أمام ملف حساس يتجاوز حدود مكتب للتصويت، ويضع صورة العملية الانتخابية برمتها أمام امتحان حقيقي.
المسألة هنا ليست في نتيجة انتخابية معينة، ولا في صراع بين هذا المرشح أو ذاك، وإنما في شيء أكبر بكثير: في الثقة التي يمنحها المواطن لصندوق الاقتراع، وفي قناعته بأن صوته محفوظ وأن إرادته لا يمكن العبث بها بأي وسيلة كانت.
حين تثار شبهات حول التلاعب في عملية انتخابية، فإن الضرر لا يصيب فقط الأشخاص المتنافسين، بل يمس صورة المؤسسات وثقة المواطن في العملية الديمقراطية. وإذا كانت التحقيقات ستثبت وجود تجاوزات أو أفعال مخالفة للقانون، فإن الأمر يصبح أكثر خطورة، لأن العبث بصندوق الاقتراع ليس مجرد خطأ عابر، وإنما مساس مباشر بإرادة المواطنين.
وفي خضم هذه التطورات، برزت معطيات تتحدث عن إصدار مذكرة بحث في حق عمدة طنجة، منير الليموري، بل وعن مذكرة بحث على الصعيد الدولي، في ارتباط بالتحقيقات الجارية. غير أن هذه المعطيات تظل، إلى حين صدور تأكيد رسمي من الجهات القضائية المختصة، في إطار الأخبار المتداولة، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها حكماً قضائياً أو إدانة مسبقة.
وهنا تكمن مسؤولية الإعلام أيضاً: أن يكون حازماً في طرح الأسئلة، لكنه دقيق في نقل الوقائع؛ وأن يضع الرأي العام أمام الحقيقة دون أن يتحول إلى محكمة.
لكن بعيداً عن الأسماء والمواقع، فإن القضية تطرح سؤالاً أعمق بكثير: ماذا يحدث عندما يتحول الطموح السياسي من وسيلة لخدمة المواطنين إلى غاية في حد ذاته؟
المناصب الانتخابية ليست امتيازاً شخصياً، وليست ملكية خاصة، وليست وسيلة لحماية المصالح أو توسيع النفوذ. المسؤول المنتخب يحصل على ثقة المواطنين لكي يدبر الشأن العام، وليس لكي يجعل من السلطة هدفاً بذاته.
طنجة مدينة كبيرة، ومدينة لها وزن اقتصادي وسياحي واستراتيجي كبير. مدينة تستقطب الاستثمارات، وتحتضن مشاريع كبرى، وتراهن على موقعها كحلقة وصل بين المغرب وأوروبا وإفريقيا. ولذلك فإن أي سلوك فردي أو انتخابي يسيء إلى صورتها لا يبقى بالضرورة محصوراً في أصحابه، بل يمكن أن تتحمل المدينة كلها تبعاته.
والأخطر من ذلك أن المغرب يبذل جهوداً كبيرة على المستويات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية من أجل ترسيخ صورته كبلد مستقر، ومؤسساتي، ومنفتح على العالم. وفي المقابل، يمكن لتصرفات غير مسؤولة صادرة عن أشخاص يفترض فيهم تمثيل المواطنين أن تمنح صورة مغايرة تماماً لما تعمل عليه مؤسسات الدولة.
لهذا فإن القضية، إن ثبتت فيها تجاوزات، لا ينبغي اختزالها في صراع حزبي أو انتخابي ضيق. إنها قضية تتعلق بثقافة المسؤولية، وبحدود الطموح السياسي، وبالمعنى الحقيقي للمنصب العمومي.
المشكلة ليست في أن يطمح الإنسان إلى النجاح السياسي، فهذا حق مشروع. المشكلة تبدأ عندما يصبح الوصول إلى المنصب أو الحفاظ عليه أهم من احترام القواعد التي تمنح ذلك المنصب شرعيته.
فالانتخابات التي يفترض أن تكون تعبيراً عن إرادة المواطنين يمكن أن تفقد معناها إذا تحول التنافس إلى سباق مفتوح بلا حدود أخلاقية أو قانونية.
والواقع أن ما تحتاجه طنجة اليوم ليس المزيد من الصراعات، ولا المزيد من الحسابات السياسية، ولا محاولات تبادل الاتهامات، وإنما تحتاج إلى الحقيقة الكاملة.
من فعل ماذا؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وهل كانت الواقعة مجرد تصرفات فردية، أم أن التحقيقات ستكشف عن معطيات أخرى؟ وهل هناك مسؤولون أو منتخبون أو أطراف أخرى لها علاقة بالملف؟
هذه الأسئلة لا يمكن أن تجيب عنها الحملات السياسية ولا مواقع التواصل الاجتماعي. وحدها التحقيقات القضائية والأدلة يمكن أن تقدم الإجابات النهائية.
وفي انتظار ذلك، تبقى قاعدة أساسية يجب احترامها: لا إدانة قبل حكم قضائي، ولا حصانة لأي شخص أمام القانون إذا ثبتت مسؤوليته.
طنجة لا تحتاج إلى مسؤولين يتعاملون مع المدينة باعتبارها مساحة للنفوذ والمصالح، وإنما تحتاج إلى منتخبين يدركون أن المنصب العمومي تكليف قبل أن يكون تشريفاً، وأن ثقة المواطنين أمانة وليست ورقة انتخابية تنتهي صلاحيتها بمجرد إعلان النتائج.
وإذا كان الطمع والجشع السياسي قد دفعا البعض إلى تجاوز الحدود، فإن الرسالة التي يجب أن تصل واضحة: لا أحد أكبر من القانون، ولا يمكن لأي منصب انتخابي أن يتحول إلى مظلة تحمي من المساءلة.
إن صورة طنجة ليست ملكاً لمسؤول أو حزب أو منتخب. إنها صورة مدينة بأكملها، وصورة بلد بأكمله في كثير من الأحيان.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم هو أن يأخذ التحقيق مجراه كاملاً، بعيداً عن الضغوط والحسابات، وأن تظهر الحقيقة للرأي العام بكل وضوح، وأن يتحمل كل من تثبت مسؤوليته تبعات أفعاله.
أما المواطن، فمن حقه أن يعرف ماذا حدث لصوته، ومن حاول العبث بإرادته، ولماذا وصلت الأمور إلى هذه المرحلة.
لأن الديمقراطية لا تُقاس فقط بيوم الاقتراع، وإنما بما يحدث عندما تظهر الشبهات: هل نملك الشجاعة لفتح التحقيق؟ هل نملك المؤسسات القادرة على كشف الحقيقة؟ وهل نملك الإرادة السياسية والأخلاقية لمحاسبة من تثبت مسؤوليته؟
تلك هي الأسئلة الحقيقية التي تفرض نفسها اليوم على طنجة.
مدينة تستحق أن تُذكر بمشاريعها وإنجازاتها وموقعها العالمي، لا بقضايا تهز الثقة في انتخاباتها.
وفي النهاية، ستبقى الحقيقة وحدها القادرة على وضع حد لهذا الجدل، وستبقى العدالة وحدها صاحبة الكلمة الفصل.


