في تقييم مقلق لواقع التعليم العالي والبحث العلمي بالمملكة، كشفت تقارير حديثة أن معضلة الاكتظاظ باتت تتصدر قائمة التحديات الهيكلية التي تعاني منها الجامعات المغربية، متجاوزةً بذلك حتى مشكلة “ضعف التجهيزات” التي طالما شكلت الهاجس الأكبر للأسرة التعليمية والطلابية.
تشهد مختلف المؤسسات الجامعية ذات الاستقطاب المفتوح عبر ربوع التراب الوطني ضغطاً غير مسبوق في أعداد الطلبة، مقابل جمود في توسيع البنية التحتية بالسرعة المطلوبة. وأصبح المشهد اليومي للمدرجات الجامعية يختزل أزمة حقيقية، حيث يجد آلاف الطلاب أنفسهم مجبرين على متابعة المحاضرات واقفاً أو على سلالم القاعات، أو الاكتفاء بمشاهدة الدروس عبر شاشات تملؤها قاعات أخرى إن توفرت، وهو ما ينسف مبدأ تكافؤ الفرص في التحصيل العلمي.
وإذا كانت التجهيزات البيداغوجية، من مختبرات علمية وقاعات معلوماتية ومكتبات رقمية، تعاني أصلاً من خصاص هيكلي، فإن تقييم البنية التحتية أظهر تحولاً نوعياً في طبيعة الأزمات؛ إذ أصبح الضغط البشري الهائل داخل الفضاءات الجامعية يلتهم كل المجهودات الرامية لتحديث الوسائل التعليمية. فالاستثمار في التجهيزات يفقد معناه وقيمته حين يفتقر الطالب إلى أبسط شروط الولوج المريح للمؤسسة، وحين تتجاوز طاقة استيعاب القاعات أضعاف طاقتها القصوى.
تلقي هذه الأزمة بظلالها الثقيلة على جودة التكوين والأداء الأكاديمي، إذ تؤثر سلباً على العلاقة البيداغوجية بين الأستاذ والطالب، وتعيق فرص التفاعل والنقاش الفعّال داخل الأقسام. كما تزيد من معاناة الطاقم الإداري والتربوي الذي يواجه تحديات يومية في تدبير أعداد هائلة من المسجلين في مختلف التخصصات.
في ظل استمرار هذا الوضع، ترتفع أصوات نقابية وطلابية بشكل متواصل للمطالبة بضرورة تبني استراتيجية وطنية عاجلة ومستدامة لإصلاح البنية التحتية الجامعية. ويرى المراقبون أن الحلول الترقيعية لم تعد تجدي نفعاً، وأن إنقاذ الجامعة المغربية من مستنقع الاكتظاظ يقتضي رصد اعتمادات مالية كافية لتسريع وتيرة بناء قطبيات جامعية جديدة، وتوسيع المؤسسات القائمة، بما يتناسب مع النمو الديمغرافي المستمر لأعداد حاملي شهادات البكالوريا.


