شهدت أروقة المحاكم الجهوية للحسابات حالة من الاستنفار غير المسبوق، عقب توجيه تقارير وأبحاث تدقيق شملت ملفات سندات الطلب الصادرة عن عدد من الجماعات الترابية، والتي تجاوزت قيمتها الإجمالية 13 مليار سنتيم. هذا التحرك الرقابي المكثف يسلّط الضوء مجدداً على آليات تدبير المال العام على المستوى المحلي، ومدى التزام المجالس المنتخبة بقواعد الحكامة والشفافية.
تُشير المعطيات الميدانية إلى أن تحريات قضاة الحسابات تركزت حول كيفية توزيع وصرف هذه المبالغ الضخمة عبر آلية “سندات الطلب”، وهي الأداة المخصصة أصلاً لتلبية الاحتياجات المستعجلة والاحتياجات ذات المبالغ المحدودة. وتدور الشبهات حول إمكانية اللجوء إلى تقسيط الصفقات الكبرى وتفتيتها إلى سندات طلب متعددة، لتفادي المساطر القانونية المعقدة الخاصة بالمنافسات وطلبات العروض المفتوحة، وهو ما يعتريه خرق واضح لروح قانون الصفقات العمومية.
تأتي هذه التحركات في سياق يشتد فيه المطالب بضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة، لا سيما في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تفرض حسن ترشيد النفقات العمومية. ويهدف قضاة الحسابات من خلال هذه الحملات التفقدية إلى تحديد المسؤوليات الإدارية والمالية بدقة، والتحقق من مدى تطابق الإنجازات الميدانية مع الفواتير والوثائق المرفوقة، للتأكد من عدم وجود نفخ في المقادير أو هدر للمال العام.
يُرتقب أن تسفر هذه التحقيقات عن توصيات صارمة، قد تتجاوز حدود التقارير التقييمية للوصول إلى إحالة ملفات تتضمن شبهات خروقات جسيمة على الجهات القضائية المختصة. ويبدو جلياً أن هذه الخطوة تشكل رسالة حازمة للمدبرين المحليين، مفادها أن آليات الرقابة البعدية والقبلية أضحت أكثر صرامة، وأن تدبير المرفق العام يقتضي أعلى درجات الشفافية والنزاهة.


