تضع المعطيات الميدانية والتقارير الرسمية الصادرة مؤخراً المنظومة الصحية في المغرب أمام اختبار حقيقي؛ إذ تشير أحدث البيانات المتعلقة بقطاع الصحة النفسية إلى أن نحو 20% من الساكنة — أي ما يقارب 6.5 ملايين مواطن ومواطنة — يعانون من اضطرابات نفسية وعقلية أو سلوكية بدرجات متفاوتة، وهو ما يعيد ملف العافية النفسية إلى صدارة النقاش الاجتماعي والسياسي بالمملكة.
ووفقاً للمعطيات الصادرة عن مؤسسات صحية وهيئات مهنية مستقلة، فإن نوبات القلق والاضطرابات الاكتئابية والاحتراق النفسي باتت تسجل معدلات مرتفعة، ولا سيما في أوساط الشباب والشغيلة وفي المراكز الحضرية الكبرى. ويعزو خبراء الاجتماع والنفس هذا المنحى إلى التحولات المتسارعة التي يشهدها نمط الحياة، والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب زيادة الوعي بالتشخيص مقارنة بالعقود الماضية.
ورغم ارتياح بعض المؤشرات الحيوية الأخرى كارتفاع متوسط العمر (أمل الحياة عند الولادة) ليتجاوز 77 سنة، إلا أن جودة الحياة النفسية والصحية تظل رهينة بمدى نجاعة الخدمات الوقائية والعلاجية المتاحة للمواطنين.
في المقابل، يبرز التشخيص الميداني الفجوة الحاصلة بين حجم الطلب المتزايد وبين العرض الطبي المتاح. إذ تشير البيانات إلى وجود نقص حاد في الأطر المتخصصة، حيث لا يتجاوز معدل الأطباء النفسيين طبيباً واحداً لكل 100 ألف مواطن، في حين يعاني القطاع العام تحدياً أكبر على مستوى توزيع الأخصائيين النفسيين عبر التراب الوطني، مما يضاعف الضغط على مستشفيات الصحة النفسية والمراكز الأولية.
وأمام هذه التحديات الهيكلية، أعلنت السلطات الصحية عن إطلاق “المخطط الوطني للصحة النفسية في أفق 2030″، وهو ورش استراتيجي يروم إعادة هيكلة العرض العلاجي من خلال:
توسيع قاعدة الموارد البشرية: عبر التوظيف التدريجي للأخصائيين والأطباء النفسيين وتأهيل الأطر التمريضية.
إدماج الرعاية النفسية: دمج خدمات الصحة النفسية ضمن مراكز الرعاية الصحية الأولية لتسهيل ولوج المواطنين للتشخيص المبكر.
تحديث البنيات التحتية: طاقة استيعابية أكبر وتطوير أسرّة الاستشفاء بالمؤسسات الجامعية والجهوية.
ويرى مهتمون بالأنشطة المجتمعية أن الرهان اليوم لا يقتصر على الميزانيات والبنيات التحتية فحسب، بل يمتد إلى كسر الوصمة الاجتماعية (الطابو) المحيطة بالمرض النفسي، وتشجيع الأفراد على طلب المساعدة الطبية في الموعد المناسب بدون تردد.
ويبقى السؤال المطروح مع تفعيل هذه الخطة الاستراتيجية: هل تنجح المنظومة الصحية في إرساء تحول جذري يستجيب لانتظارات ملايين المواطنين ويضمن حق الجميع في التكفل النفسي اللائق؟


