بقلم الأستاذ محمد بلفقيه
عدتُ هذا الصباح من إسبانيا عبر ميناء طريفة، في اتجاه المغرب، على متن سيارة ذات ترقيم أجنبي. وبدل أن تكون لحظة العودة إلى الوطن مناسبةً للشعور بالارتياح، وجدتني أمام مشهد يثير كثيراً من التساؤلات حول طبيعة التعامل مع المسافرين في نقطتنا الحدودية.
وجوه متجهمة، وغياب شبه تام للابتسامة والكلمة الطيبة، وطريقة في التفتيش والتعامل مع السيارات والمسافرين يغلب عليها الجفاء والثقل، وكأن القادم إلى وطنه متهمٌ ينبغي أن يثبت براءته، لا مواطن أو زائر يستحق أن يُستقبل بما يليق بكرامته.
لا أحد ينازع في حق الجمارك في التفتيش، ولا في ضرورة تطبيق القانون ومراقبة الحدود؛ فذلك من صميم اختصاصها ومسؤولياتها. لكن المشكلة ليست في ممارسة الحق، بل في الطريقة التي يُمارَس بها. فاحترام القانون لا يتعارض مع احترام الإنسان، والصرامة في أداء الواجب لا تستلزم الفظاظة، كما أن اليقظة الأمنية لا تبرر تحويل العبور الحدودي إلى تجربة نفسية غير مريحة.
إن المسافر الذي يقطع مئات الكيلومترات، وربما آلافها، وهو يتطلع إلى الوصول إلى بلده، لا ينتظر استقبالاً استثنائياً ولا معاملة تفضيلية؛ كل ما ينتظره هو الحد الأدنى من اللباقة والاحترام وحسن التواصل. ابتسامة عابرة، وكلمة مهذبة، وتعامل مهني يحفظ الكرامة، أمور بسيطة في ظاهرها، لكنها تصنع فارقاً كبيراً في شعور الإنسان تجاه مؤسسات بلده.
والمؤسف أن مثل هذه التجارب قد تترك لدى أفراد الجالية المغربية، ولدى الزوار والمستثمرين الأجانب، انطباعات سلبية تتجاوز لحظة العبور نفسها، وقد تدفع بعضهم إلى إعادة التفكير في تكرار التجربة، بما لذلك من آثار على صورة البلد وجاذبيته.
فما جدوى الحديث عن تحديث الإدارة، وتجويد الخدمات العمومية، وأنسنة المرافق، وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان، إذا ظل المواطن أو الزائر يصطدم، عند أول نقطة استقبال، بممارسات لا تنسجم مع هذه الشعارات؟
إن أنسنة الإدارة لا تبدأ من النصوص والخطب، بل من سلوك الموظف في تعامله اليومي مع الإنسان. والحدود ليست مجرد نقطة للتفتيش والمراقبة، بل هي أيضاً واجهة للبلد، ومنها تتشكل الانطباعات الأولى عن مؤسساته ومستوى احترامها لكرامة الناس.
نريد إدارة حازمة في تطبيق القانون، نعم، لكننا نريدها أيضاً مهنية، مهذبة، ومنصفة. فالوطن الذي نعتز بالانتماء إليه يستحق أن تكون مؤسساته في مستوى هذا الاعتزاز، وأن يشعر كل من يعبر حدوده بأنه يدخل بلداً يحترم القانون ويحترم الإنسان في الوقت نفسه.
فهل أصبح من الصعب أن نطالب بتطبيق القانون دون فظاظة، وبأداء الواجب دون تجهم، وبمراقبة الحدود دون المساس بكرامة العابرين؟


