تواصل الجدل حول التصميم المعماري لمشروع «النور» السكني بمدينة طنجة، بعدما انتقلت الانتقادات التي أثارتها صور المجمع السكني على منصات التواصل الاجتماعي من مناقشة الشكل الهندسي للبنايات إلى طرح إشكالات أعمق تتعلق بمسؤولية المهندسين المعماريين، وتدخل المنعشين العقاريين، ودور الإدارة في مراقبة جودة المشاريع السكنية.
وفي هذا السياق، دخل عبد المجيد هضمي، أحد المتفاعلين مع النقاش المهني الذي أطلقه المهندس المعماري فرخاني، على خط القضية، معتبراً أن الجدل الذي أثاره مشروع «النور» لا ينبغي اختزاله في المظهر الخارجي للعمارات، وإنما يجب أن يشكل مناسبة لفتح نقاش حول الاختلالات البنيوية التي تعاني منها منظومة الإنتاج العقاري والعمراني بالمغرب.
وأوضح هضمي، في تعليق مطول على دعوة فرخاني إلى النقاش، أن البناية المثيرة للجدل ليست سوى الوجه الظاهر لمنظومة إنتاج عقاري تعاني، بحسب تعبيره، من اختلالات عميقة، مشيداً بطرح الأسئلة المرتبطة بالمسؤوليات المهنية والإدارية التي تتحكم في إنجاز المشاريع السكنية.
وسلط المتحدث الضوء على ما وصفه بالمفارقة التي يعيشها المهندسون المعماريون، بين حجم المسؤوليات القانونية الملقاة على عاتقهم، ومحدودية السلطة الفعلية التي يمارسونها في بعض أوراش البناء.
وأشار في هذا الصدد إلى القانون رقم 16.89 المنظم لمهنة الهندسة المعمارية، مستحضراً العقوبات القانونية التي يمكن أن تترتب عن بعض المخالفات المهنية، بما فيها عقوبات حبسية وغرامات مالية قد تصل، وفق ما أورده، إلى 50 ألف درهم.
غير أن الإشكال، بحسب هضمي، يتمثل في كون المهندس المعماري يجد نفسه في حالات عديدة مجرداً من دوره الأساسي باعتباره ضامناً لجودة البناء وسلامته، نتيجة تدخل بعض المنعشين العقاريين الذين يفرضون اختياراتهم على مستوى التصميم والتنفيذ.
وانتقد المتحدث، في السياق ذاته، ما اعتبره اقتصار بعض المصالح الإدارية على المعالجة الشكلية لملفات التعمير، عوض مواكبة مختلف مراحل إنجاز المشاريع والتأكد من احترام متطلبات الجودة المعمارية والسلامة.
واعتبر أن هذه الوضعية تضع المهندس المعماري أمام مسؤولية مزدوجة، إذ قد يجد نفسه في مقدمة المتابعين عند وقوع حوادث أو كوارث مرتبطة بالبناء، رغم أن سلطته المهنية قد تكون تعرضت للتقييد خلال مراحل إنجاز المشروع.
وشدد هضمي على ضرورة وضع حد لتحويل المهندس المعماري إلى «كبش فداء» لمنظومة لا يتحكم في جميع حلقاتها، داعياً إلى إعادة الاعتبار لدوره المهني ومنحه الصلاحيات والضمانات المؤسساتية اللازمة لممارسة مهامه.
ولم تقتصر مداخلة هضمي على الجوانب القانونية والمهنية، بل امتدت إلى الانعكاسات الاجتماعية والصحية المرتبطة بجودة السكن، معتبراً أن الهندسة المعمارية ليست مجرد مسألة جمالية أو ترف عمراني، وإنما عنصر أساسي في ضمان الكرامة الإنسانية والصحة النفسية والجسدية للمواطنين.
وأكد أن الاختلالات المرتبطة بإنتاج السكن قد تكون لها آثار تتجاوز حدود البناية نفسها، لتشمل جودة الحياة والعلاقات الاجتماعية، فضلاً عن التكاليف الاقتصادية التي يمكن أن تتحملها الدولة نتيجة غياب معايير صارمة في البناء والتعمير.
واستحضر المتحدث حوادث انهيار بنايات بمدينة فاس، معتبراً أنها تعكس، في قراءته، الحاجة إلى معالجة الإشكالات البنيوية المرتبطة بالتوسع العمراني والبناء غير المنظم، دون أن يشكل ذلك ربطاً مباشراً بين تلك الحوادث والوضعية التقنية لمشروع «النور» بطنجة.
كما دعا إلى تجاوز الوضع القائم وإطلاق إصلاحات تعيد المهندس المعماري إلى صلب عملية اتخاذ القرار في المشاريع العقارية، مع تعزيز دوره في ضمان احترام المعايير التقنية والهندسية والجمالية.
وتأتي هذه المواقف في وقت أثار فيه التصميم الهندسي لمشروع «النور»، الذي يضم وفق إفادات عدد من الزبائن 14 عمارة سكنية يصل ارتفاع بعضها إلى نحو عشرة طوابق، انتقادات بسبب تقارب الكتل العمرانية وتوزيعها حول فضاء داخلي مشترك، ما فتح نقاشاً بشأن الإنارة الطبيعية والتهوية والخصوصية وجودة الفضاءات السكنية.
ويعيد هذا الجدل طرح أسئلة حول المعايير المعتمدة في الترخيص للمجمعات العقارية الكبرى بمدينة طنجة، ومدى تحقيق التوازن بين الكثافة العمرانية والمردودية الاقتصادية للمشاريع من جهة، ومتطلبات السكن اللائق وجودة الحياة من جهة ثانية.
وفي انتظار توضيحات الأطراف المعنية، يبقى النقاش الذي أطلقه المهندس المعماري فرخاني، وانخرط فيه عدد من المهنيين والمتفاعلين، مناسبة لإعادة التفكير في مسؤوليات مختلف المتدخلين في قطاع التعمير، من المنعش العقاري والمهندس المعماري إلى المصالح الإدارية المكلفة بدراسة المشاريع والترخيص لها ومراقبتها.
فالقضية، كما تعكسها هذه التفاعلات، لم تعد مرتبطة فقط بالشكل المعماري لمشروع سكني أثار الجدل، بل بمستقبل جودة العمران في مدينة طنجة، ومدى قدرة منظومة التعمير على ضمان مشاريع تستجيب لحاجيات السكان وتحترم متطلبات السلامة والعيش الكريم.


