من روح المسيرة الخضراء إلى التحولات الدبلوماسية الكبرى.. المملكة المغربية بقيادة الملك محمد السادس ترسخ حضورها الدولي وتفتح صفحة جديدة في مسار الدفاع عن وحدتها الترابية.
يخلد الشعب المغربي، اليوم الجمعة 6 نونبر 2026، الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، هذه الملحمة الوطنية الخالدة التي شكلت واحدة من أبرز المحطات في تاريخ المغرب الحديث، وجسدت قوة التلاحم بين العرش والشعب، والإرادة الجماعية في الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، في محطة تاريخية قادها المغفور له الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه.
وبعد مرور أكثر من خمسة عقود على هذا الحدث التاريخي، يستحضر المغاربة اليوم روح المسيرة الخضراء في سياق وطني ودبلوماسي مختلف، عنوانه التحولات الكبرى التي عرفتها قضية الصحراء المغربية، وما راكمته المملكة من مكتسبات سياسية وتنموية ودبلوماسية تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
من المسيرة الخضراء إلى مسيرة البناء والتنمية
لم تكن المسيرة الخضراء مجرد حدث تاريخي عابر، بل شكلت تعبيراً عن إرادة أمة اختارت التلاحم والوحدة سبيلاً للدفاع عن حقوقها الوطنية. واليوم، يواصل المغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس مسيرة البناء والتحديث، من خلال مشاريع استراتيجية كبرى شملت البنيات التحتية والموانئ والطرق والطاقات المتجددة والصناعة والاستثمار، إلى جانب تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية بمختلف جهات المملكة، وفي مقدمتها الأقاليم الجنوبية.
لقد انتقل المغرب من مرحلة الدفاع عن وحدته الترابية إلى مرحلة ترسيخ التنمية والاستثمار وتعزيز الحضور الدولي، واضعاً نصب عينيه بناء نموذج تنموي يجعل من الأقاليم الجنوبية فضاءً للتنمية والتعاون والانفتاح على العمق الإفريقي.
31 أكتوبر.. عيد الوحدة ومحطة مفصلية في تاريخ القضية الوطنية
وتكتسي هذه المناسبة الوطنية أهمية إضافية بعد إقرار يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيداً وطنياً تحت اسم «عيد الوحدة»، بمبادرة ملكية أعلن عنها الديوان الملكي في نونبر 2025، عقب التطورات التي حملها قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025 بشأن قضية الصحراء المغربية.
ويحمل هذا العيد دلالات وطنية عميقة، باعتباره مناسبة لتجديد التشبث بالوحدة الوطنية والترابية للمملكة، واستحضار التحولات التي عرفها مسار القضية الوطنية، وتعزيز التعبئة الجماعية حول الثوابت الوطنية.
مجلس الأمن.. مواجهة دبلوماسية أمريكية روسية ومستقبل المينورسو
ولعل أبرز التطورات التي تزامنت مع عيد الوحدة هذه السنة، ما شهدته أروقة مجلس الأمن الدولي يوم 30 أكتوبر 2026، حين فشل المجلس في اعتماد مشروعي قرارين متنافسين بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء «المينورسو».
فقد حظي مشروع القرار الأمريكي بتأييد 11 عضواً من أصل 15، قبل أن تستخدم روسيا الاتحادية حق النقض «الفيتو» لإسقاطه. وكان المشروع الأمريكي يقترح تمديد ولاية البعثة لمدة سنة، مع إدخال تغييرات على طبيعة مهمتها، وجعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات.
وفي المقابل، لم يتمكن المشروع الروسي البديل، الذي كان يقترح تمديد الولاية الحالية للبعثة إلى غاية 31 أكتوبر 2027، من الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده، بعدما صوتت الولايات المتحدة ضده، فيما امتنع عدد من أعضاء المجلس عن التصويت.
وبذلك انتهت ولاية بعثة المينورسو في 31 أكتوبر 2026 دون تجديد، بعد 35 سنة من وجودها في المنطقة، في تطور يفتح مرحلة جديدة وغير مسبوقة في مسار هذا الملف.
وكان البلاغ الصادر عن الديوان الملكي قد اعتبر عدم تجديد ولاية المينورسو تطوراً مهماً وخطوة ذات دلالة في اتجاه الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة، مؤكداً أن المغرب يظل ملتزماً بوقف إطلاق النار، وبمواصلة الدفاع عن وحدته الترابية وأمنه الوطني.
ومن المهم التأكيد أن عدم تجديد ولاية البعثة لا يعني وحده انتهاء النزاع بشكل نهائي، لكنه يشكل تحولاً كبيراً في الإطار الأممي الذي ظل يؤطر هذا الملف لأكثر من ثلاثة عقود.
الدبلوماسية المغربية.. ثمار رؤية ملكية بعيدة المدى
إن قراءة التطورات الأخيرة لا يمكن فصلها عن التحولات التي عرفتها الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة، والتي اعتمدت على تنويع الشراكات الدولية، وتعزيز العلاقات الاستراتيجية مع القوى الكبرى، وتوسيع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وقد نجحت المملكة في تحويل قضية الصحراء المغربية إلى محور أساسي في علاقاتها الدولية، مستندة إلى رؤية ملكية تقوم على الوضوح في المواقف، والواقعية في المقترحات، والانفتاح على الشراكات الاقتصادية والتنموية.
كما أن هذه المكتسبات لم تكن وليدة ظرفية سياسية عابرة، بل جاءت نتيجة عمل دبلوماسي متواصل، وتراكم للمواقف الدولية الداعمة للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها إطاراً عملياً لتسوية هذا النزاع الإقليمي.
المسيرة مستمرة.. والوحدة مسؤولية الأجيال
إن الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء ليست مجرد مناسبة لاستعادة صفحات من التاريخ، بل هي فرصة للتأمل في المسار الذي قطعه المغرب، واستحضار حجم التحولات التي عرفتها المملكة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية.
وبين ملحمة 1975 التاريخية والتحولات التي يشهدها ملف الصحراء المغربية سنة 2026، تتجدد رسالة واحدة مفادها أن قوة المغرب تكمن في وحدته الوطنية، وفي تلاحم شعبه، وفي قدرته على الجمع بين الثبات على الثوابت والانفتاح على المستقبل.
إن المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، يواصل مسيرته بثقة نحو ترسيخ مكانته الإقليمية والدولية، وجعل التنمية والاستقرار والتضامن الوطني ركائز أساسية لمستقبله.
فالمسيرة الخضراء لم تكن نهاية مرحلة فحسب، بل كانت بداية مسيرة وطن متجددة.. مسيرة الوحدة والبناء والتنمية، من طنجة إلى الكويرة.


