عاد مستقبل مناصب الشغل داخل مصنع مجموعة «رونو» بمدينة طنجة إلى واجهة النقاش، عقب تداول تقارير صحفية تتحدث عن احتمال إطلاق عملية لمغادرة نحو 850 أجيراً، في سياق إعادة تنظيم الموارد البشرية ومواجهة التحولات المتسارعة التي تعرفها صناعة السيارات على المستوى الدولي.
وحسب ما أوردته تقارير صحفية، فإن الأمر يتعلق ببرنامج للمغادرة الطوعية، يتضمن تعويضات تحفيزية وإجراءات لمواكبة بعض الأجراء وإتاحة فرص بديلة لإعادة الإدماج المهني. غير أن هذه المعطيات تطرح تساؤلات حول طبيعة العملية وشروطها، ومدى تأثيرها على الاستقرار المهني والاجتماعي للعاملين وأسرهم.
ويأتي هذا التطور ليطرح تساؤلات بشأن حقيقة ما يجري داخل أحد أبرز المواقع الصناعية بجهة طنجة تطوان الحسيمة، خصوصاً أن المصنع يشكل ركيزة أساسية في المنظومة الصناعية الوطنية، ويوفر آلاف مناصب الشغل المباشرة، فضلاً عن ارتباطه بشبكة واسعة من الشركات والمقاولات الموردة للخدمات وقطع الغيار.
وتبرز أهمية الملف في ضرورة التمييز بين المغادرة الطوعية والتسريح الإجباري، ومعرفة الشروط والتعويضات المقترحة، والفئات المعنية، والضمانات الاجتماعية المقدمة للأجراء، فضلاً عن مصير المناصب التي قد تصبح شاغرة.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن التحولات العميقة التي يشهدها قطاع السيارات عالمياً، في ظل تصاعد المنافسة الصينية، والتوسع المتسارع في إنتاج السيارات الكهربائية، إلى جانب الضغوط المرتبطة بتكاليف الإنتاج وتغير الطلب في الأسواق الأوروبية.
وفي هذا السياق، أصبحت منطقة طنجة، وخاصة مدينة محمد السادس طنجة تيك، وجهة لعدد من الاستثمارات الصينية المرتبطة بصناعة السيارات ومكوناتها والتكنولوجيا الكهربائية والبطاريات. وتشمل هذه الاستثمارات مشاريع صناعية متخصصة في المحركات الكهربائية ومكونات البطاريات وقطع السيارات، وهو ما يعكس تحولاً تدريجياً في طبيعة المنظومة الصناعية بالمنطقة.
لكن هل تشكل هذه التحولات تهديداً مباشراً لمناصب الشغل داخل مصنع رونو؟ أم أنها جزء من منافسة صناعية عالمية تفرض على مختلف الشركات تحديث خطوط الإنتاج وتطوير نماذجها الصناعية؟
وتأتي هذه التطورات أيضاً في وقت تواجه فيه شركات صناعة السيارات الأوروبية تحديات متزايدة، حيث أعلنت مجموعة فولكسفاغن الألمانية عن برنامج واسع لإعادة الهيكلة وتقليص نحو 50 ألف منصب إضافي على مستوى المجموعة عالمياً، في أفق سنة 2030، في سياق يتسم بتزايد المنافسة الصينية والضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإنتاج. كما شهدت شركات ومجموعات صناعية أوروبية أخرى برامج لإعادة تنظيم مواردها البشرية وتقليص بعض أنشطتها الإنتاجية.
وتطرح هذه المؤشرات تساؤلات حول مدى تأثر المصانع المغربية بالتغيرات التي تعرفها الأسواق الأوروبية، باعتبار أن جزءاً مهماً من الإنتاج المحلي موجه للتصدير نحو هذه الأسواق.
ومن بين النقاط التي تستحق التوقف عندها، الاتفاقية الاستثمارية التي وقعتها الحكومة المغربية مع مجموعة رونو يوم 29 أكتوبر 2025، والتي تنص على إحداث 7500 منصب شغل مباشر وغير مباشر، ضمن مخطط تنموي يمتد إلى غاية 2030، ويشمل تحديث المنظومة الصناعية وإنتاج سيارات هجينة وكهربائية بالمغرب.
وهو ما يفتح النقاش حول مدى التوفيق بين الالتزامات الاستثمارية الجديدة وأي إجراءات محتملة لإعادة تنظيم الموارد البشرية داخل المصنع.
كما سبق أن أثير موضوع تقليص مناصب الشغل برونو طنجة داخل المؤسسة التشريعية، من خلال سؤال كتابي وجه إلى وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، بشأن صحة المعطيات المتداولة والتدابير الكفيلة بحماية الأجراء.
وأمام هذه المعطيات، يبرز عدد من الأسئلة التي تنتظر إجابات واضحة من إدارة مجموعة رونو والجهات الحكومية المعنية، وفي مقدمتها وزارتي الصناعة والتجارة والإدماج الاقتصادي والتشغيل. فهل يتعلق الأمر فعلاً ببرنامج للمغادرة الطوعية يشمل نحو 850 أجيراً؟ وما المعايير المعتمدة لاختيار المستفيدين؟ وما الضمانات المقدمة لحماية الحقوق الاجتماعية والمهنية للعاملين؟
ثم ما مدى ارتباط هذه الخطوة بالتحولات التي تعرفها صناعة السيارات الأوروبية والمنافسة الصينية؟ وهل ستتم مواكبة الأجراء المعنيين ببرامج لإعادة التأهيل والتكوين وإعادة الإدماج في سوق الشغل؟
أسئلة تتجاوز حدود مصنع واحد، لتلامس مستقبل التشغيل والاستثمار الصناعي بمدينة طنجة، ومدى قدرة المنظومة الصناعية الوطنية على تحقيق التوازن بين التنافسية الاقتصادية والحفاظ على مناصب الشغل والاستقرار الاجتماعي.
ففي نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر فقط بأرقام في دفاتر الإنتاج، بل بمئات الأسر ومستقبلها الاجتماعي والمهني.


