صدر بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، التقرير السنوي لمنظمة “مراسلون بلا حدود”، الذي غطى بالأحمر والأحمر الفاقع المنطقة العربية، وحتى تونس التي كان ينظر إليها بعد سنة 2011 بأنها “واحة للحرية” في منطقة تكاد تكون قاحلة، تراجعت بـ 27 مركزا لتدخل دائرة البلدان العالية المخاطر لممارسة الصحافة.
يقول التقرير بشكل واضح إن بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط تشكل خطرا على الصحفيين. وتشمل حزمة الأخطار؛ القتل، الملاحقات القضائية، التشويه، غياب البيئة التشريعية، تغول السلطة…
والملاحظ أن الخطر الأساسي يأتي من السلطة التي ضاق صدرها بالانتقاد، أكثر من أي وقت مضى، لتنتقل إلى تكتيكات جديدة تتجلى في “الابتزاز القضائي” وإغلاق صنابير الإشهار ومصادرة الحرية على وسائل التواصل الاجتماعي بتشريعات ظاهرها محاربة الأخبار الزائفة وحماية الحياة الخاصة، لكن جوهرها الحقيقي هو تقليم أظافر الأصوات المزعجة المنفلتة من رقابة الإعلام التقليدي.
والحقيقة أن تدجين الصحافة التقليدية إما بالمال أو التهديد باستخدام سياسة “العصا والجزرة” قتل الكثير من التجارب الحرة في المنطقة العربية، أما التحول الأساسي فهو فرض مزيد من السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي، ولو تطلب ذلك سن قوانين تؤدي إلى السجن.
أمام انهيار السلطات التشريعية والقضائية، ينظر المواطن العربي اليوم إلى الصحافة بمثابة “الملجأ الأخير” لممارسة الرقابة، بل ويلقي عليها أعباء ثقيلة تصل إلى درجة مطالبته بممارسة “المعارضة السياسية”. وهي أعباء لا يمكن أن يتحملها دون استحضار الحد الأدنى من مسؤولية المجتمع في حماية الحريات السياسية وحرية الصحافة وضمان الاستقلالية المالية عن الدولة.
المتتبع لمجلة الصحافة سيفهم أن مجال اشتغالها الرئيسي هو التأصيل للممارسات الصحفية برؤية نقدية، ومساعدة الصحفيين على تملك ناصية المهنة، وسيفهم أن مجال حرية الصحافة اختصاص نقابي وحقوقي أكثر مما هو اختصاص لمنصة مهمتها استشراف مستقبل المهنة.
كلما ابتعدنا عن قضايا حرية الصحافة، كلما اقتربنا منها أكثر؛ ذلك أن غياب الحرية والسيطرة الكاملة على وسائل الإعلام يؤثر على الممارسة نفسها التي نحاول التقعيد لها. لقد استعادت الأنظمة جزءا من شراستها التي خفت غداة الربيع العربي، وفشلت الكثير من التجارب المستقلة متأثرة بالأزمة الاقتصادية، ودفع صحفيون كثر ثمن قول الحقيقة وغرق العشرات منهم في ظروف معيشية صعبة.. هل نستسلم؟
توفير شروط نجاح المؤسسات الصحفية تنطلق من المجتمع كما بينت ذلك الكثير من التجارب العالمية. كي تنقذ الصحافة الجادة، وتصون استقلاليتها في ظرفية تغولت فيها السلطة وزادت الأسعار، وتراجعت الحرية، نحتاج كما لم يكن من قبل لصيغة مربحة بين الصحافة: صحافة جادة مقابل الاشتراك.


