احتفل العالم يوم أمس الأربعاء 21 فبراير الجاري باليوم الدولي للغة الأم. وكانت منظمة اليونسكو قد أعلنت عن هذا اليوم للمرة الأولى عام 1999، لتعزيز الوعي بالتنوع اللغوي والثقافي وتعدد اللغات، وبهدف التأكيد على أهمية كل اللغات واللغة الأم لكل دولة، وكذا لإعطاء نفس جديد للغات التي هي في طور الاضمحلال أو المهددة بالانقراض.
اختارت اليونسكو كموضوع لهذه السنة “التعليم متعدد الألسن بوصفه أحد ركائز التعليم والتعلم بين الأجيال”؛ إذ أن التعليم ضروري من أجل صون ألسن السكان الأصليين لكل بلد، ولذلك وجب البدء بتلقين كل متعلم لغته الأم، وكذا العمل على إدخال ألسن أخرى بالتدريج؛ فوفق منظمة الأمم المتحدة، 40% من سكان العالم لا يحصلون على تعليم بلغة يتحدثون بها أو يفهمونها.
إن العالم يعيش حاليا سياقات سريعة التغير، لذا فإن اللغة الأم تبقى الأداة الأقوى التي بإمكانها أن تحفظ التراث المادي وغير المادي، وتورثه للأبناء والأحفاد.
لقد تعالت في فترة من الفترات في المغرب بعض الأصوات لتطالب بتدريس الصغار بالدارجة المغربية لأنها اللغة الأم لكل المغاربة إلى جانب الأمازيغية، لكن أصحابها ووجهوا بالصد من طرف الكثيرين، بل إن البعض استنكر حتى ورود كلمات بالعامية المغربية في المقررات والكتب والمدرسية، في حين أن دولا كثيرة عبر العالم تعلم أبناءها باللغة الأم.
يرى أصحاب هذا الطرح أن استعمال اللغة الأم في التعليم من شأنه أن يسهل فهم واستيعاب الدروس والمعلومات الملقنة في المدارس. فالطفل الذي لا يتحدث العربية في أعالي جبال الأطلس أو الريف مثلا، يعاني كثيرا عندما يطلب منه التحصيل والتعلم بلغة غير لغته، وبالتالي يضطر لبذل جهد مضاعف حتى يفهم أولا لغة المدرس (الذي غالبا لا يتكلم الأمازيغية ولا الريفية أو غيرهما) وبعدها استيعاب دروس الحساب والقراءة…الخ.
إننا نبدو وكأننا لا نعترف بلغاتنا الأم، الدارجة والأمازيغية والحسانية وغيرهم، وكأنها ليست من اللغات التي تصلح للتدريس والتواصل على حد سواء، في حين أنها لغات قائمة بذاتها، شأنها شأن اللغة العربية أو الفرنسية أو الإنجليزية التي تدرس في المؤسسات التعليمية، وتعليمها خلال السنوات الأولى للصغار من شأنه أن يسهل على هؤلاء عملية التعلم. فالأطفال يجدون أنفسهم في حيرة من أمرهم (خصوصا من لا يتكلمون العامية المغربية): يتحدثون في المنزل وفي الشارع لغة تختلف عن التي يتلقون بها دروسهم في المدارس. وبالتالي تواجههم صعوبات كثيرة خلال مسارهم الدراسي لأنهم، يفتقدون للكفايات اللغوية المطلوبة لذلك. فلا يجب أن نستغرب إذن من كون مشكل اللغة هذا يمثل أهم أسباب الهدر المدرسي ببعض المناطق. لقد أكدت دراسات عديدة على أهمية تعلم وضبط اللغة الأم قبل الاتجاه نحو لغات أخرى، لتفادي التأثير السلبي لذلك على المتعلم، إذ يفتقد للقدرات والمهارات اللغوية التي تؤهله لتعلم لغات أخرى، بعدما يكون قد فقد ثلث ما يملك من لغته الأم.
إن اللغة الأم مقوم جوهري لهوية الأفراد وتعد من الركائز الأساسية في أي اتصال أو اندماج اجتماعي وفي التعليم والتنمية. حماية اللغات الأم قد أضحت من الأولويات التي يجب أن تهتم بها الشعوب والحكومات، حتى لا تقضي عليها العولمة، فهذه الأخيرة تشكل تهديدا صريحا لها، وضياعها سيؤدي إلى ضياع إرث تاريخي مهم وانقراض العديد من التقاليد والذاكرة وأنماط العيش والتفكير، ومن ليس له ماضي، فلا مستقبل له.
فهل ستكون لغتنا الأم يوما ما، حاضرة في البرامج الدراسية بالمغرب؟
موضوع للنقاش
لطيفة بجو

