من هو يسار ومن هي سوحليفة اللذان ذكرا في الموضوع الإنشائي لامتحان المستوى السادس ابتدائي في جهة فاس هذه السنة ؟ سؤال أثار حفيظة أمهات وآباء وأولياء التلاميذ بالجهة، وكذا العديد من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي.
لم يتطرق السؤال بالضبط لسوحليفة، بل هو مجموعة كلمات وجمل كان على الممتحَنين جمعها لتكوين نص حول صاحب الصورة، والذي هو يسار. ممثل مغربي لا يعرفه الكثيرون من الكبار، فكيف بالصغار؟ يقول المعترضون على السؤال.
هم يؤاخذون واضعي الامتحان على عدم اختيارهم لشخصيات فنية أخرى معروفة لدى الصغار أو من التي درسوها، حتى يتمكنوا من الإجابة، ولم لا الاستفادة من مسارهم. ثم ألم يجدوا ضمن أعمال يسار، أفضل من سوحليفة، بعد كل الانتقادات التي وُجهت إليها؟
شخصيا، لم أكن أعرف السلسلة، فكيف بصغار لم يتجاوز عمرهم 12 أو 13 سنة، على أبعد تقدير؟ ربما فئة قليلة منهم فقط هي التي تعرفت عليها. سألت عن شخصية سوحليفة، فعلمت أنها بطلة السلسلة التي كانت تبث خلال شهر رمضان لعام 2018، أي أن أكبر الأطفال الذين امتحنوا كان عمره حينها 6 أو 7 سنوات فقط. فطبيعي إذن أن أغلبهم لم يعرفوا يسار، ولم يسمعوا قط عن سوحليفة، ثم إن اهتماماتهم والمواضيع التي تستهويهم للفرجة مختلفة تماما عما سألهم عنه القائمون على الامتحان.
دفعني الفضول وحب الاستطلاع لمعرفة سبب غضب الآباء، وللتعرف على شخصية سوحليفة، فأجريت بحثا صغيرا على منصة اليوتيوب، لأكتشف أنها في الحقيقة طفلة صغيرة في عمر الممتحَنين بالضبط، إلا أنني صدمت أنها لا تجسد البتة الطفلة المؤدبة التي عادة ما نقدمها كقدوة للصغار في النصوص القرائية في الابتدائي أو غيره…- أم ترى الأشياء قد تغيرت دون أن أدري- أو على الأقل هكذا كانت النصوص التي درسناها… ورحم الله أحمد بوكماخ وكل المربين من طينته.
لقد هالني ما رأيته من سلاطة لسان الطفلة سوحليفة في السلسلة، ومن أسئلتها وتعليقاتها المستفزة أيضا. شخصية تعتمد الصراخ والعنف في حواراتها مع الكبار، وبدون أدنى احترام. طفلة عنيدة ومشاغبة ومشاكسة و” كارحة” و”باسلة”، كما نقول بالعامية أيضا. كما أنها تتفوه بكلمات لا تتناسب وعمرها، وكأنها عجوز شمطاء. ففهمت غضب الآباء والأمهات، باعتباري أما أيضا.
إن الأولياء في جهة فاس يتساءلون كيف لمن أنيطت بهم مهمة وضع الامتحان اختيار عمل فني كسوحلفة، وعدم الانتباه إلى محتواه وللقيم التي تطرق لها ومدى تأثيرها على الناشئة، لأنها لم تتضمن قيمة مضافة؟ أم تراهم ربما رأوا في السلسلة ما لم يجده غيرهم فيها؟ سيدفع الفضول كل الأطفال الذين لم يتوفقوا في الإجابة، لأنهم لم يعرفوا من تكون سوحليفة هاته، ليسألوا يوتيوب، الذي لن يبخل عليكم بأجوبة كافية وشافية كعادته، بل وبحلقات السلسلة بأكملها… وللأسف، لن يستفيدوا شيئا.
هل هذه هي التربية التي نريدها لصغارنا؟
أهذا هو دور المعلم والمربي؟
ببساطة، هم يأسفون أن القائمين على الامتحان لم يكلفوا نفسهم عناء البحث حول الموضوع، يقول الآباء والأولياء في الجهة، لأنهم لو فعلوا، لاكتشفوا أن السلسلة كانت موضوع انتقادات المواطنين عندما عرضت قبل ست سنوات، ولعلموا أيضا بكمِّ الشكايات التي تقاطرت حينها على الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري، تدعوها لتوقيف بث البرنامج بالنظر لمحتواه الذي لا يتضمن أي إفادة للصغار والناشئة. انتقاذات صدرت عن الأمهات والآباء والمربين، واختصاصيين في علم نفس الأطفال، وجمعيات تهتم بحقوق الطفل أيضا…
هذه السلسلة كانت ربما مجرد قطرة ضمن كمّ البرامج التي تعرضها القنوات التلفزية الوطنية، والتي يجب على معديها التفكير ألف مرة قبل بثها. برامج تنضاف إلى ملايين البوسطات والبروفايلات التي لا تنشر أي فائدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
يجرنا الموضوع هنا للحديث عن بعض المحتويات التي تخطت التفاهة، والتي غزت بيوتنا ومجتمعاتنا… نعم أصبحنا عبيدا لها بحجة أننا نبحث عن المتعة، والتسلية، وعن المتنفس الذي ينقدنا من التوتر، ويبعد عنا الرتابة التي باتت تسكن حياتنا اليومية.
لقد استحوذ التافهون على أجمل أوقات حياتنا، بل وعليها بأكملها، وباتوا ينَظرون ويفتون ويحللون ويحرمون. يتحدثون في السياسة والثقافة والاجتماع والاقتصاد…والطامة الكبرى هي أنهم صدقوا فعلا أنهم مثقفون، ويولدون أفكارا تنفع المجتمع، وأن باستطاعتهم ايصال أفكار بناءة للأجيال الصاعدة.
هم يجْرون وراء اللايكات والتعليقات والبوز، لربح الأموال وللاغتناء، بفضل مهنة سهلة ولا تتطلب دراسات عالية أو دبلومات أو شهادات جامعية، والجمهور يبحث معهم عن بعض اللحظات من المتعة ويغرق في العالم الافتراضي-الذي صنفه الدارسون بعالم الكذب والبلادة بامتياز- للهرب، ولو لهنيهات فقط، من الواقع المر.
فعلى من تقع إذن مسؤولية ما يقع؟ هل يتحملها المربون، أم الأسرة، أم تراه المجتمع بأكمله الذي يعطي قيمة للمحتويات التافهة وغير الهادفة على وسائل التواصل الاجتماعي، ويمنح قيمة لما ولمن لا قيمة لهم عندما يتابعهم؟
الحل إذن والحل الوحيد يكمن في مقاطعة كل محتوى أو حساب غير هادف، وكيفما كان نوعه. سنبدأ بعدم مشاهدته ولا الإعجاب به، ولا نشره أو مشاركته، ولا متابعته، ولِم لا، الإعلام به حتى يتم حظره. فهكذا، وهكذا فقط سنقضي جميعا على هذا السرطان الذي ينخر مجتمعنا، ويزرع البلادة والغباء في صفوف الجيل الناشئ.
في النهاية، لم أجد أفضل من هذا المثل الإنجليزي لأختم به :” توقفوا عن جعل الأغبياء مشاهير”.
لطيفة بجو

