شهد المغرب مؤخرًا جدلًا واسعًا حول طبيعة هويته الدستورية، بعد تصريحات وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، التي أشار فيها إلى أن المغرب يمكن اعتباره دولة علمانية في بعض مظاهره، خصوصًا من حيث احترامه للحريات وضمان الحقوق. هذه التصريحات أثارت ردود فعل متباينة، كان أبرزها رد عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة الأسبق وأمين عام حزب العدالة والتنمية، الذي شدد على أن المغرب دولة إسلامية وفقًا لما ينص عليه الدستور، وأن الملك محمد السادس، بصفته أمير المؤمنين، يجسد المرجعية الدينية للدولة.
الدستور المغربي لعام 2011 ينص بوضوح على أن “المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة”، وأن “الإسلام دين الدولة”، مع التأكيد على احترام التعددية الثقافية والدينية. هذا النص يفتح المجال لقراءات مختلفة حول طبيعة الدولة المغربية. فمن جهة، يمكن للبعض التركيز على المرجعية الإسلامية كإطار شامل يحكم جميع مظاهر الدولة. ومن جهة أخرى، يمكن اعتبار التزام الدولة بالحريات الفردية والتعددية نوعًا من العلمانية الناعمة، التي تتعايش مع الخصوصية الدينية.
تصريحات التوفيق تبدو أقرب إلى قراءة وظيفية للدولة المغربية، التي تسعى إلى التوفيق بين مبادئها الإسلامية ودورها كدولة حديثة. فالإشارة إلى “العلمانية” هنا قد تعكس الجانب العملي الذي يعتمد على ضمان الحريات وتطبيق القانون بعيدًا عن التحيز الديني، دون أن يعني ذلك التخلي عن الهوية الإسلامية. لكن هذا الطرح أثار حفيظة بنكيران، الذي يرى أن أي محاولة لوصف المغرب بالعلمانية، ولو ضمنية، تهدد ثوابت الأمة المغربية، التي تستند إلى الإسلام كمرجع أساسي في الحكم والتشريع.
إن الجدل حول العلمانية والإسلامية في المغرب يعكس واقعًا مركبًا يعيشه المجتمع المغربي. فمن جهة، هناك التمسك بالثوابت الدينية التي تعد ركيزة أساسية للهوية الوطنية. ومن جهة أخرى، هناك حاجة للتكيف مع المتغيرات العالمية وضمان الحريات الفردية. هذا التوازن الحساس هو ما يجعل النقاش حول هوية الدولة يتجدد كلما طرأت تصريحات أو مواقف تثير هذه الأسئلة العميقة.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن للمغرب أن يواصل مساره كدولة إسلامية مرجعية، مع الحفاظ على مكانته كدولة حديثة تحترم التعددية والحريات؟ أم أن هذا التوازن سيظل محل جدل بين التيارات السياسية والفكرية المختلفة؟

