في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، وتزايد شكاوى المواطنين من تفشي المضاربة والاحتكار في الأسواق المغربية، بادر فريق الحركة الشعبية بمجلس النواب إلى طرح مقترح قانون جديد يهدف إلى تنظيم مهنة الوساطة التجارية، خصوصًا في مجالات تسويق المنتجات الفلاحية والبحرية.
و يستند المقترح، الذي وقع عليه عدد من نواب الفريق الحركي، من بينهم إدريس السنتيسي ومحمد والزين، إلى التوجيهات الملكية التي نادى بها جلالة الملك محمد السادس في خطاب العرش لسنة 2011، والذي أكد فيه على ضرورة تخليق الحياة الاقتصادية ومحاربة اقتصاد الريع.
وحسب المذكرة التقديمية للمقترح، فإن غياب إطار قانوني واضح ينظم مهنة الوسيط التجاري فتح الباب أمام فوضى في سلاسل التوزيع، حيث يسيطر “السماسرة” على الأسعار عبر تعدد الحلقات الوسيطة، مما يؤدي إلى تضخم الأثمنة النهائية التي يتحملها المستهلك. ويؤكد واضعو المقترح أن كل وسيط يضيف هامش ربح خاص به دون أن يقدم بالضرورة أي قيمة مضافة حقيقية، وهو ما يُضعف المردودية الفلاحية، ويضر بالفلاحين الصغار، كما يثقل كاهل المواطنين.
ويقترح النص القانوني أن تخضع مهنة الوساطة لاعتماد رسمي تسلمه وزارة الفلاحة أو وزارة الصيد البحري، وفق دفتر تحملات صارم يحدد شروط مزاولة المهنة، ومنها شروط التخزين والنقل، والمعايير الصحية واللوجيستيكية، كما يحدد نوعية الخدمات المسموح بها للوسيط.
ويُلزم المقترح كل وسيط بأن يكون مغربي الجنسية، نظيف السجل العدلي، ومقيدًا في السجل التجاري أو مسجلًا كمقاول ذاتي، إضافة إلى ضرورة توفره على مقر قانوني داخل التراب الوطني. كما يُعتبر الوسيط، بموجب المقترح، تاجراً بالمعنى القانوني، ما يترتب عليه التزامه بمسك محاسبة قانونية، والخضوع للمراقبة الضريبية، وفق القوانين الجاري بها العمل.
وفي ما يخص الجانب الزجري، يتضمن المقترح عقوبات مشددة تشمل سحب الاعتماد من كل وسيط يثبت تورطه في ممارسات احتكارية أو غير قانونية، وفرض غرامات مالية تتراوح بين 10.000 و50.000 درهم على من يزاول المهنة دون ترخيص قانوني. وفي حال تكرار المخالفة، يمكن الحجز على البضاعة واتخاذ إجراءات قضائية أو إدارية إضافية.
من المنتظر أن يدخل القانون حيز التنفيذ بعد نشره في الجريدة الرسمية، في حين ستُمنح الحكومة مهلة لا تتجاوز سنة لإصدار النصوص التنظيمية المرتبطة به، كما أوكل المقترح مهام المراقبة للسلطات المختصة، مع إمكانية إشراك الغرف المهنية في عمليات التتبع والتقييم.
ويأمل مقدمو هذا النص في أن يشكل نقطة تحول في مسار إصلاح سلاسل التوزيع بالمغرب، لا سيما في قطاع المواد الغذائية، حيث تسود فوضى التسعير والتدخلات غير الشفافة. كما يُتوقع أن يُسهم تقنين مهنة الوسيط في خفض الأسعار وضمان عدالة أكبر في السوق، سواء بالنسبة للمستهلكين أو المنتجين.
ويبقى الرهان الأهم، حسب المراقبين، هو ضمان التطبيق الفعلي لهذا القانون على أرض الواقع، وتعبئة كل الجهات المعنية من أجل محاربة اقتصاد الظل، وتعزيز مبدأ الشفافية والمنافسة الشريفة في الأسواق المغربية

