ملف “أرض اليهودي” يعيد طرح أسئلة ملحة حول حجم التلاعب والاستيلاء على عقارات الغير، وسط معطيات مثيرة عن تزوير واسع النطاق، وتورط منتخبين ومنعشين عقاريين ووسطاء.
فقد قرر الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بطنجة، يوم الثلاثاء 15 يوليوز، إعادة ملف العقار المتنازع عليه بمنطقة اكزناية إلى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، للمرة الثانية، قصد تعميق التحقيق واستدعاء أسماء جديدة وردت في تصريحات المتهمين والشهود. القضية تعود إلى شكاية تقدم بها مغربي من أصول يهودية، يتهم فيها منتخبين سابقين وحاليين وسماسرة ومنعشين عقاريين بالسطو على أرضه باستعمال وثائق مزورة وتقسيمها وبيعها والبناء عليها بطرق مشبوهة.
وتطرح هذه التطورات تساؤلات حول كيف يمكن لعقار أن يُنتزع من مالكه الأصلي بهذه السهولة، وفي وضح النهار، وتُمنح له شهادات الربط بالماء والكهرباء، في تحدٍّ واضح للضوابط القانونية؟ الملف لا يخص فقط نزاعا عقاريا عاديا، بل يبدو أنه يلامس شبكة معقدة من المصالح المشتركة والصفقات المريبة، خصوصا أن التحقيقات شملت أسماء معروفة من بينها نواب رؤساء جماعة اكزناية، رجال أعمال، ومضاربين عقاريين.
وبينما سبق للفرقة الوطنية أن قدمت أكثر من 18 مشتبها بهم للنيابة العامة، فإن غياب أحد الأسماء البارزة في الملف دفع إلى تأجيل البت، مع تحديد موعد جديد لمواصلة الجلسات. وتفيد شهادات أدلى بها أحد أقارب المشتكي، أن هناك منتخبين وقعوا على وثائق مشبوهة، كما تم تسليم شهادات إدارية مكنت من تزويد العقارات المعنية بالخدمات العمومية، رغم أن وضعها القانوني ما زال محل طعن.
من جهة أخرى، كشف المشتكي أنه لم يكن يعرف الموقع الدقيق لأرضه إلا من خلال أحد الوسطاء المعروفين في سوق العقار المحلي، وهو ما يثير تساؤلات بشأن الطريقة التي تُدار بها أملاك الناس في الخفاء، ودرجة التورط في شبكات تسويق أراضٍ يُفترض أنها في ملكية الغير.
وما يزيد الغموض، هو ظهور معطى قانوني جديد، مفاده أن مطلب التحفيظ الذي يستند إليه المدعي يهم عقارا بمنطقة “العزيب” وسط طنجة، بعيدا عن اكزناية، بينما يدّعي المشتبه فيهم أن لديهم وثائق تعود إلى سنة 1936 تثبت ملكيتهم لما أصبح يُعرف إعلاميا بـ”أرض اليهودي”.
ووسط هذا التشابك القانوني والمعطيات المتضاربة، أمرت النيابة العامة بإجراء خبرة تقنية على كافة الوثائق المدلى بها، مع التحقق من عقود البيع المتداولة بين الأطراف، بهدف كشف الحقيقة وتحديد الجهة المالكة الأصلية للعقار.
القضية تفجّرت منذ مارس الماضي، عندما عُرض أزيد من ثلاثين شخصا أمام النيابة العامة، بينهم منتخبون، عون سلطة معزول، ومنعشون عقاريون، لتتحول إلى ملف رأي عام بامتياز، يفتح النقاش حول هشاشة منظومة المحافظة العقارية، وضعف الرقابة على صفقات بيع الأراضي، خاصة تلك غير المحفظة أو التي توجد في مناطق توسع عمراني سريع.
ومن بين الأسماء التي شملها التحقيق، رضوان غيلان النائب الأول لرئيس جماعة اكزناية، إلى جانب منتخبين عُزلوا سابقا من طرف وزارة الداخلية، كانوا قد منحوا رخص بناء فردية مشكوك فيها، إضافة إلى منعش عقاري يملك عددا كبيرا من الأراضي في نفس المنطقة.
النيابة العامة تواصل التحقيق، مصرّة على استدعاء جميع الأطراف، بما في ذلك الغائبون عن الجلسات السابقة، في محاولة لفك خيوط هذا الملف المعقد، الذي يسلط الضوء من جديد على سؤال محوري: من يحمي العقار من التزوير، ومن يجرؤ على التلاعب بمصير الأملاك في زمن الرقمنة والشفافية؟ وهل تتحرك الدولة بحزم لوقف هذا النزيف العقاري الذي بات يهدد الثقة في المؤسسات؟

