تواصل أسعار اللحوم البيضاء في المملكة تسجيل مستويات قياسية غير مسبوقة، مما أثار موجة قلق واسعة لدى الشارع المغربي وتساؤلات حول طبيعة العوامل المؤدية لهذا الارتفاع، في وقت باتت فيه هذه المادة تشكل البديل الأساسي للبروتين الحيواني لدى معظم الأسر.
وفي ظل الخلل الحاصل في ميزان العرض والطلب بالأسواق الوطنية، تكشف القراءة المهنية لواقع القطاع عن تتالي أزمات هيكلية وتكاليف إنتاج مرتفعة ألقت بظلالها على الأسعار النهائية للتقسيط.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن قفزة الأسعار الأخيرة لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة تقلص ملحوظ في المعروض الوطني من الدواجن مقابل طلب استهلاكي متزايد. هذا التراجع في الحجم الإنتاجي يعود بالأساس إلى توقف عدد غير هين من صغار ومتوسطي المربين عن الإنتاج، جراء توالي تراكم الخسائر المالية خلال الفترات الماضية.
وقد أدى انسحاب هذه الفئة من الدورة الإنتاجية إلى ترك الفراغ في الأسواق، مما أتاح الفرصة لتشكل ضغوطات سعرية متصاعدة لم تسلم منها مختلف جهات المملكة.
وعن الأسباب المباشرة وراء هذه وضعية، يوضح المهنيون أن ارتفاع أسعار الأعلاف المركبة والمواد الأولية المستوردة يشكل الحجر الزاوية في ارتفاع التكلفة المباشرة للكيلوغرام الواحد داخل الضيعات. يُضاف إلى ذلك غلاء أسعار الكتاكت، والزيادة في مصاريف الطاقة والنقل، والتقلبات المناخية التي ترفع من نسب النفوق وتزيد من تكاليف الرعاية الصحية للدواجن.
من جهة أخرى، تشير التقييمات المهنية إلى أن تعدد الوسطاء والمضاربين في مسالك التوزيع بين “الضيعة” و”المستهلك النهائي” يساهم بشكل مباشر في مضاعفة المارجن الربحي وتضخيم السعر، وهو ما يحرم المربين والمستهلكين معاً من السعر العادل.
أمام هذا الوضع المعقد، تتصاعد الأصوات الداعية إلى ضرورة اعتماد استراتيجية عمومية شمولية لإعادة هيكلة قطاع الدواجن، تضمن حماية سلاسل الإنتاج الوطنية من تقلبات الأسواق العالمية للمواد الأولية.
ويرى خبراء ومهنيون أن الحل المستدام يكمن في تنظيم مسالك التوزيع والحد من أدوار الوساطة الهامشية، إلى جانب تقديم دعم موجه للمربين الصغار لضمان عودتهم للسوق وتثبيت أسعار اللحوم البيضاء في مستويات تراعي القدرة الشرائية للمواطنين وتضمن استمرارية الاستثمار في هذا القطاع الحيوي.


