أصبحت الدراجات النارية خلال السنوات الأخيرة مشهداً يومياً بارزاً في شوارع مدينة طنجة، بعدما توسع استعمالها بشكل ملحوظ باعتبارها وسيلة عملية للتنقل وسط حركة السير المكتظة، ولتلبية حاجيات العمل والتوصيل والتنقل السريع بين مختلف أحياء المدينة. غير أن هذا الانتشار المتزايد يطرح، في المقابل، إشكالية حقيقية تتعلق بمدى احترام قانون السير، والالتزام بعلامات التشوير، وضمان سلامة مستعملي الطريق، في ظل سلوكيات مقلقة باتت تثير استياء المواطنين وتغذي المخاوف بشأن ارتفاع مخاطر حوادث السير.
ففي عدد من شوارع طنجة، يلاحظ مستعملو الطريق سلوكيات تتجلى في عدم احترام علامات التشوير، وتجاوز الإشارات الضوئية، والسير بسرعة غير ملائمة لظروف الطريق، والتسلل بين السيارات بشكل مفاجئ، فضلاً عن بعض المناورات الخطيرة التي لا تترك للسائقين الآخرين الوقت الكافي للتفاعل معها. كما يثير استعمال بعض الدراجات للأرصفة أو السير في الاتجاه المعاكس مخاوف إضافية، خصوصاً بالنسبة إلى الراجلين والأطفال وكبار السن، الذين يجدون أنفسهم أحياناً أمام وضعيات خطيرة في فضاءات يفترض أن تضمن سلامتهم.
ولا يتعلق الأمر هنا بالتعميم على جميع مستعملي الدراجات النارية، فهناك من يلتزم بالقانون ويتعامل بمسؤولية مع الطريق، وإنما يتعلق بسلوكيات مخالفة أصبحت تستدعي معالجة أكثر جدية، بالنظر إلى ما يمكن أن تترتب عنها من عواقب جسيمة على الأفراد والممتلكات.
ويرتبط تنامي حضور الدراجات النارية في طنجة بعدة عوامل، من بينها التوسع العمراني والامتداد المتواصل للأحياء السكنية، وارتفاع الحاجة إلى وسائل نقل مرنة وقادرة على تجاوز الازدحام، فضلاً عن انتشار خدمات التوصيل المرتبطة بالتجارة والمطاعم والمنصات الرقمية. كما ينظر عدد من المواطنين إلى الدراجة النارية باعتبارها وسيلة أقل كلفة من السيارة، وأكثر قدرة على تسهيل التنقل اليومي، خصوصاً في مدينة تعرف حركة مرورية كثيفة خلال ساعات الذروة.
لكن التحول الذي عرفه استعمال هذه الوسيلة يطرح سؤالاً أساسياً: هل واكب هذا الانتشار تطور مماثل في الوعي بقواعد السير، وفي مستوى المراقبة والزجر والتأطير؟ فالزيادة في عدد الدراجات النارية لا تمثل في حد ذاتها مشكلة، بقدر ما تكمن الإشكالية في كيفية استعمالها، ومدى احترام أصحابها للقوانين المنظمة للسير، وقدرة البنية الطرقية وآليات المراقبة على مواكبة هذا الواقع المتغير.
وتزداد خطورة الوضع عندما يتعلق الأمر بحوادث السير التي تكون الدراجات النارية طرفاً فيها، إذ يظل مستعملها أكثر عرضة للإصابات الخطيرة بسبب محدودية وسائل الحماية مقارنة بمستعملي السيارات. وقد تتسبب حادثة واحدة، نتيجة السرعة أو عدم احترام الأسبقية أو القيام بمناورة غير محسوبة، في إصابات بليغة أو عاهات مستديمة، بل قد تنتهي في بعض الحالات بفقدان الأرواح، بما يخلفه ذلك من مآسٍ إنسانية واجتماعية تطال الأسر والمجتمع.
ومن هنا، فإن التعامل مع هذه الظاهرة لا ينبغي أن يقتصر على ردود الفعل بعد وقوع الحوادث، بل يتطلب الانتقال إلى سياسة وقائية واضحة تقوم على تعزيز المراقبة الميدانية، وتطبيق القانون على جميع المخالفين دون استثناء، مع إيلاء أهمية خاصة للمخالفات التي تهدد سلامة المواطنين، مثل تجاوز الإشارات الحمراء، والسير في الاتجاه المعاكس، والسرعة المفرطة، وعدم احترام الأسبقية، والقيادة الخطيرة بين المركبات.
كما تبرز الحاجة إلى تكثيف الحملات التي تستهدف مراقبة الوثائق القانونية للدراجات النارية، والتأكد من احترام شروط السلامة، واستعمال الخوذات الواقية المطابقة للمعايير، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حق المخالفين. وينبغي أن تتم هذه التدابير وفق مقاربة متوازنة تجمع بين التوعية والزجر، بعيداً عن أي استهداف لفئة معينة من مستعملي الطريق.
وفي المقابل، لا يمكن تحميل سائقي الدراجات النارية وحدهم مسؤولية جميع الاختلالات المرتبطة بحركة السير. فالمعالجة الفعالة تقتضي أيضاً تحسين التشوير الطرقي، وصيانة البنية التحتية، وتنظيم حركة المرور في النقاط التي تعرف ضغطاً متزايداً، ودراسة إمكانية تهيئة فضاءات ومسارات مناسبة حيث تسمح طبيعة الطريق بذلك. كما أن تعزيز النقل العمومي وتطوير بدائل التنقل قد يسهمان في تخفيف الضغط على الشوارع، والحد من الاعتماد الاضطراري على وسائل النقل الفردية.
وتظل المسؤولية مشتركة بين السلطات المحلية والمصالح الأمنية المختصة والجماعة والجهات المعنية بتدبير السير والجولان، إلى جانب جمعيات السلامة الطرقية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام. فالتوعية المستمرة، خصوصاً في صفوف الشباب، يمكن أن تلعب دوراً مهماً في ترسيخ ثقافة احترام قانون السير، وإبراز أن الوصول إلى الوجهة في وقت أقل لا يمكن أن يكون مبرراً لتعريض حياة الآخرين للخطر.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية اعتماد مقاربة مبنية على تشخيص ميداني دقيق، يشمل تحديد الشوارع والتقاطعات الأكثر خطورة، ورصد طبيعة المخالفات المتكررة، وتحليل المعطيات الرسمية المتعلقة بحوادث الدراجات النارية والإصابات والوفيات. فمن شأن هذه المعطيات أن تساعد على توجيه المراقبة نحو النقاط الأكثر حاجة إلى التدخل، وتقييم مدى فعالية الإجراءات المتخذة.
إن طنجة، باعتبارها مدينة كبرى تعرف توسعاً عمرانياً واقتصادياً متواصلاً، تحتاج اليوم إلى تدبير أكثر نجاعة لحركة السير، يأخذ بعين الاعتبار التحولات التي عرفتها وسائل التنقل خلال السنوات الأخيرة. ولم يعد ممكناً التعامل مع المخالفات الخطيرة باعتبارها سلوكيات عابرة، في وقت أصبحت فيه سلامة المواطنين داخل الشوارع والأحياء السكنية مطلباً أساسياً لا يقبل التأجيل.
فاحترام علامات التشوير وقواعد السير ليس اختياراً شخصياً، بل التزام قانوني وأخلاقي يهدف إلى حماية الأرواح وضمان حق الجميع في التنقل الآمن. وبين الحاجة إلى الدراجات النارية باعتبارها وسيلة مهمة للتنقل والعمل، وضرورة وضع حد للسلوكيات المتهورة، يبقى الرهان الحقيقي هو تحقيق التوازن بين حرية التنقل واحترام القانون.
وأمام هذا الواقع، يطرح المواطنون سؤالاً يستحق جواباً عملياً من الجهات المعنية: إلى متى ستظل بعض السلوكيات الخطيرة على الطرقات مصدر قلق يومي في طنجة؟ إن الحد من هذه الظاهرة لا يتطلب فقط حملات ظرفية، بل خطة مستمرة تجمع بين المراقبة الصارمة والتوعية وتحسين تنظيم السير، حتى لا تتحول الدراجة النارية من وسيلة لتسهيل الحياة اليومية إلى مصدر خطر يهدد حياة مستعملي الطريق.


