وفاة سائق دراجة نارية بشارع مولاي إسماعيل تعيد إلى الواجهة سؤال السلامة الطرقية، وتفرض تحركاً عاجلاً لوضع حد للسياقة المتهورة والاستهتار بقواعد السير.
وفاة سائق دراجة نارية بشارع مولاي إسماعيل تعيد إلى الواجهة سؤال السلامة الطرقية، وتفرض تحركاً عاجلاً لوضع حد للسياقة المتهورة والاستهتار بقواعد السير.
لم تعد حوادث الدراجات النارية بمدينة طنجة مجرد وقائع عابرة تتناقلها الأخبار ثم تُطوى صفحاتها بعد أيام، بل أصبحت مصدر قلق حقيقي لدى المواطنين، في ظل تكرار الحوادث الخطيرة وما تخلفه من ضحايا وخسائر إنسانية لا يمكن تعويضها.
وتعيد الحادثة المأساوية التي شهدها شارع مولاي إسماعيل مساء الخميس 15 أكتوبر الجاري، والتي انتهت بوفاة سائق دراجة نارية متأثراً بإصاباته الخطيرة، فتح النقاش حول واقع السلامة الطرقية بالمدينة، خصوصاً أن المعطيات الأولية المتداولة تشير إلى ارتباط الواقعة بخلاف مروري بين سائق الدراجة وسائق سيارة نفعية، فيما تتواصل التحقيقات لتحديد ظروف الحادث والمسؤوليات القانونية المرتبطة به.
## عندما تتحول الطريق إلى فضاء للمخاطرة
إن ما يثير القلق في شوارع طنجة ليس انتشار الدراجات النارية في حد ذاته، فهي وسيلة أساسية للتنقل والعمل بالنسبة إلى عدد كبير من المواطنين، وإنما بعض السلوكيات الخطيرة التي تصاحب استعمالها، من قبيل السرعة المفرطة، والمناورات المفاجئة، والسياقة الاستعراضية والبهلوانية، وتجاوز الإشارات الضوئية، وعدم احترام علامات التشوير والأسبقية.
وفي بعض الحالات، يجد الراجلون والسائقون أنفسهم أمام تصرفات غير متوقعة، كالسير في الاتجاه المعاكس أو التسلل بين السيارات بطريقة خطيرة، بما يجعل الطريق فضاءً مفتوحاً على احتمالات الاصطدام في أي لحظة.
والأخطر من ذلك أن بعض مستعملي الطريق يتعاملون مع قواعد السير وكأنها اختيار شخصي، لا التزام قانوني وأخلاقي يهدف إلى حماية الجميع. فالضوء الأحمر ليس إشارة يمكن تجاوزها متى أراد السائق، وعلامة التوقف ليست تفصيلاً ثانوياً، كما أن الطريق العام ليس مكاناً لاستعراض المهارات أو تصفية الخلافات بين السائقين.
## شباب في مقتبل العمر يدفعون ثمن التهور
خلف كل حادثة مميتة قصة إنسانية مؤلمة، وأسرة تفقد أحد أبنائها، وأم تنتظر عودته إلى المنزل، وأب يجد نفسه أمام فاجعة لم تكن في الحسبان.
إن فقدان شاب حياته في حادثة سير لا يعني فقط خسارة روح بشرية، بل يعني أيضاً انقطاع مسار دراسي أو مهني، وحرمان أسرة من ابنها، وترك جرح عميق في محيطه الاجتماعي.
وتزداد خطورة الدراجات النارية بسبب محدودية وسائل الحماية التي توفرها مقارنة بالسيارات، ما يجعل الاصطدامات العنيفة أكثر قدرة على التسبب في إصابات بليغة أو الوفاة.
ولا ينبغي أن يتحول الحديث عن هذه الحوادث إلى اتهام جماعي لجميع سائقي الدراجات النارية، فهناك مواطنون يحترمون القانون ويستعملون دراجاتهم بمسؤولية. لكن السلوكيات المتهورة، مهما كان مرتكبوها، تستوجب موقفاً واضحاً وإجراءات عملية قبل أن تتحول كل رحلة يومية إلى مغامرة غير محسوبة العواقب.
## أين المراقبة؟ وأين الردع؟
إن استمرار هذه السلوكيات يطرح تساؤلات جدية بشأن مدى نجاعة المراقبة الطرقية، وقدرة التدخلات الحالية على ردع المخالفات التي تهدد حياة المواطنين.
فلا يكفي التدخل بعد وقوع الحادثة ونقل المصابين إلى المستشفيات وفتح التحقيقات، بل يجب العمل على منع وقوع المأساة من الأساس، من خلال حضور ميداني مستمر في النقاط والمحاور التي تعرف سلوكيات خطيرة، وتطبيق القانون على كل من يثبت تورطه في مخالفة تعرض الآخرين للخطر.
كما تبرز الحاجة إلى مراقبة الدراجات المعدلة بشكل غير قانوني، والتصدي للسرعة المفرطة والسياقة الاستعراضية، والتحقق من الوثائق القانونية وشروط السلامة، والتعامل بحزم مع تجاوز الإشارات الحمراء والسير في الاتجاه المعاكس وعدم احترام الأسبقية.
وفي المقابل، فإن الردع وحده لا يكفي. فالمعالجة الحقيقية تتطلب برامج توعية مستمرة تستهدف الشباب، والأسرة، والمؤسسات التعليمية، إلى جانب دور الإعلام وجمعيات السلامة الطرقية في ترسيخ ثقافة احترام القانون والمسؤولية المشتركة.
## طنجة تحتاج إلى خطة عاجلة لا إلى حملات ظرفية
أمام خطورة الوضع، تبدو الحاجة ملحة إلى خطة محلية واضحة ومستمرة للحد من حوادث الدراجات النارية، بمشاركة السلطات المحلية والمصالح الأمنية والجهات المعنية بالسلامة الطرقية والجماعات الترابية.
وينبغي أن تقوم هذه الخطة على تحديد النقاط السوداء التي تتكرر فيها الحوادث، وتعزيز المراقبة في الأوقات التي تعرف حركة مكثفة أو سلوكيات خطيرة، وتحسين التشوير الطرقي حيث تدعو الحاجة، إلى جانب تنظيم حملات تحسيسية وتطبيق العقوبات القانونية على المخالفين.
كما يتعين فتح نقاش جدي حول استعمال الدراجات النارية من طرف القاصرين، وشروط التكوين والتأهيل القانوني للسائقين، ومراقبة المركبات التي لا تستجيب لمعايير السلامة.
إن حماية الأرواح مسؤولية مشتركة، لكنها تقتضي أيضاً وضوحاً في الاختصاصات ومحاسبة قانونية عادلة لكل من يثبت تورطه في سلوك مخالف للقانون.
## كم روحاً أخرى يجب أن نفقد قبل التحرك؟
إن الحادثة الأخيرة ليست مجرد خبر جديد عن اصطدام دراجة نارية بسيارة؛ إنها مناسبة لطرح سؤال لا ينبغي تجاهله: إلى متى سيظل المواطنون يخشون على أبنائهم من مخاطر الطريق، فيما يمكن الحد من جانب مهم من هذه المآسي عبر احترام القانون والوقاية والمراقبة الفعالة؟
لا يمكن بناء مدينة آمنة في ظل التطبيع مع السياقة المتهورة، ولا يمكن حماية الشباب عبر حملات موسمية سرعان ما يتراجع أثرها. المطلوب هو الانتقال من رد الفعل إلى سياسة وقائية دائمة، تجعل احترام قانون السير ثقافة يومية، وتتعامل مع السلوكيات الخطيرة باعتبارها تهديداً مباشراً لحياة المواطنين.
فالطريق ملك للجميع، وحرية التنقل لا تعني تعريض الآخرين للخطر. والسرعة التي تمنح سائقاً لحظات من الإثارة قد تترك أسرة بأكملها أمام مأساة لا تنتهي.
إن أرواح الشباب ليست أرقاماً في محاضر الحوادث، وإنقاذها لا يحتمل التأجيل. فهل تتحول هذه الفاجعة إلى نقطة انطلاق لتحرك جدي يعيد الأمن إلى طرقات طنجة، أم سننتظر حادثة أخرى لنكرر الأسئلة نفسها؟
مقال رأي وتحليل لجريدة Infosocial.ma


