قرأت فيما قرأت حول التربية والتعليم ببلادنا العربية، قولة للمربي السوري ساطع الحصري، وهو أحد مؤسسي الفكر القومي العربي، مفادها أن تعليم اللغات الأجنبية في المدارس الابتدائية أمر يضر بمصلحة الطفل ويعرقل نموه الفكري وقد يحد منه…أثارتني قولة المربي السوري لأنها تنم عن الأهمية والاهتمام اللذين حظي بهما هذا الموضوع منذ عدة عقود.
إن قضية أبنائنا واللغة العربية قضية متشعبة، لا يمكن تناولها أو طرحها للنقاش في بضعة أسطر، وإنما نحتاج لأيام وربما لأسابيع، حتى نوفي ثقافتنا ولغتنا الجميلة حقها.
من منا لم ينطق، ولو لمرة واحدة في حياته، بكلمات من قبيل “بونجور” أو “مرسي”، ومؤخرا “هاي” أو “ثانك يو” ؟ لن ينكر أحد ذلك، وليس ببلادنا فقط، وإنما يكاد كل مواطني المجتمعات العربية يتحدثون لغة دخيلة عليهم، وهي حقيقة أصبحنا نعيشها ونتأقلم معها، شئنا ذلك أم أبينا. منهم من يزين كلامه بكلمات بالفرنسية أو بالإنجليزية، ومنهم من ينطق، خلال حديثه، جملا كاملة بلغة أو لغتين أجنبيتين، بل ومنهم من يحاور الآخرين باللغة الأجنبية فقط، ويتباهى ويفتخر بعدم درايته بالعربية.
لقد أصبح أبناؤنا ضحية لسياسات اتبعتها الدول العربية بعد استقلالها من مستعمريها؛ بحيث جعلت من الفرنسية والانجليزية وغيرهما لغاتها الأولى على حساب اللغة العربية، خصوصا وأن أغلبية المؤطرين والأساتذة بعد الاستقلال كانوا فرانكوفونيين أو انجلوساكسونيين. وبالتالي، لم يعد للغة الضاد مكان. تنكرت الأجيال للغتها بسبب الاستعمار الثقافي وباتت كل المواد تدرس باللغات الدخيلة. والأفظع من ذلك، أن الأغلبية كانت ولا تزال، تحسب مفاتيح التقدم والتطور بيد من يتقن هذه اللغات، ناسين، أومتناسين، أن علماءنا القدامى، من قبيل الرازي والخوارزمي والبيروني وغيرهم كانوا يشتغلون في مختبراتهم باللغة العربية ويدونون نتائج تحليلاتهم وتركيباتهم وصيغهم الفيزيائية والكيميائية بلغة القرآن. وبالتالي، فإن تبرير البعض استعمالهم للغات أخرى، بعدم قابلية العربية للتكيف مع التغيرات التي تشهدها مجالات العلم والمال والأعمال وعجزها عن مسايرة جديدها، لهو ضرب من الادعاء والكذب فقط.
لقد باتت الكلمات الأجنبية جزءا من حديثنا ومن ثقافتنا وهويتنا… كبارنا وصغارنا ومثقفونا يتحدثون لغة دخيلة. بل حتى الأسر والعائلات التي تعتبر القدوة بالنسبة للأبناء، لا تبذل أدنى جهد للخروج من هذه الوضعية، فتكرسها عندما تحاور أبناءها بلغة غير العربية، وهي مقتنعة أنها بتلك الطريقة تسدي لهم أكبر خدمة وأن هذا التصرف هو معيار للتحضر. تجدها أحيانا تطلب من ابنها، ذي الثلاثة أو أربعة أعوام، استعراض قدراته في اللغة الأجنبية، خصوصا أمام الضيوف من العائلة. وبالتالي فإن أبناءنا يجدون صعوبة في نطق العربية عندما يكبرون، أو حتى فهم بعض كلماتها ويجيدون اللغات الدخيلة ويتكلمون بها بطلاقة، في حين يتلعثمون عندما يتناولون الكلمة بلغتنا الأم، ولا يستطيعون التعبير عن آرائهم، أو إيجاد المفردات اللازمة لذلك.
تخلينا عن لغتنا، وكثيرون لا يعرفون أن يوم 18 دجنبر من كل سنة يعتبر يوما عالميا للغة العربية، وهو قرار كانت منظمة اليونسكو قد اتخذته عام 2012، لأنه في مثل ذلك اليوم من عام 1973، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها بإدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية المعتمدة في منظمة الأمم المتحدة. كثيرون أيضا يجهلون أن أزيد من 400 مليون شخصا يتكلمون اللغة العربية يوميا عبر المعمورة، ولا أنها رابع لغة مستخدمة في العالم. لن نغوص في أسباب تخلي الأغلبية عن اللغة العربية، كما ولن نستطيع تقديم حلول؛ فكلنا نعلم بأن عدة أطراف معنية بذلك، بدءا من المنظومة التربوية ومرورا بالمجتمع الذي يعتبر الذين يتكلمون لغة الضاد أقل قيمة، ووصولا إلى العولمة وتبعاتها.
ختاما، لا نقول بأن تكلم لغات أخرى أمر سيئ، بل فقط نثير الانتباه إلى ضرورة الاهتمام بلغتنا العربية الجميلة والتحدث بها، والتأكيد على أهمية إقناع أبنائنا بتعلمها بنفس الحماس الذي يولونه للإنجليزية حاليا، وحصر استعمال اللغات الأخرى في العمل والدراسة والتعليم. وبتعبير آخر، من الجائز أن ُينوع الإنسان لغة التخاطب عند الضرورة والاقتضاء، وكذلك حسب الظروف. فلكل مقام مقال، كما يقول أهل لغة الضاد…
لطيفة بجو

