هل يعتبر شراء شجرة الميلاد أمرا مقبولا في مجتمعنا أم لا؟ وهل يحق لنا الاحتفال برأس السنة الميلادية؟ وهل ذلك يعني أن الشخص غير مسلم أو أنه متأثر بالثقافة الغربية؟ وماذا لو اكتشفنا أن أجدادنا هم أيضا كانوا يحتفلون بأعياد الميلاد المسيحية وبرأس السنة الميلادية منذ قرون مضت؟
مع اقتراب حلول العام الجديد، يكثر كل سنة الجدل حول الاحتفالات التي يقوم بها بعض المغاربة… ومعها تكثر أيضا الفتاوى ويحاول كل واحد إقناع الآخرين بطرحه؛ ففي الوقت الذي يقول فيه المحتفلون بأنه مجرد عيد ولا علاقة له بايمانهم أو تشبثهم بدينهم، وبأن الأمر لا يعدو أن يكون فرصة للتجمع مع الأحباب والأصدقاء ولإدخال البهجة والسرور إلى قلوب من يحبون، نجد آخرين يجرمون تصرف هؤلاء لأنهم يتشبهون بالمسيحيين، ولأن ذلك من شأنه التأثير على الصغار، والقضاء على عاداتنا وتقاليدنا، ومحو معالم حضارتنا وثقافتنا الإسلامية…بل ومنهم من يذهب أكثر من هذا، فيحرم هذا السلوك.
بالعودة إلى كتب التاريخ، يتبين أن احتفال المغاربة برأس السنة الميلادية ليس حديثا أو دخيلا جديدا على ثقافتنا ومجتمعنا؛ إذ وصف الرحالة والديبلوماسي المغربي الحسن بن محمد الوزان، في كتابه “وصف إفريقيا” الذي كتبه منذ أزيد من أربعة قرون، الطريقة التي كان سكان مدينة فاس يحتفلون من خلالها بالعام الجديد. فتحْت عنوان “عادات أخرى متبعة في الأعياد وطريقة البكاء على الموتى”، يقول الرحالة: “لا تزال بفاس بقايا من بعض الأعياد التي خلفها المسيحيون (…)، ففي ليلة ميلاد المسيح يأكلون نوعا من ثريد مصنوع من خضر متنوعة كالكرمب واللفت والجزر وغيرها، ويطبخون عدة أنواع من الخضر مجتمعة على حالها دون تقطيع، كالفول والحمص وحبوب القمح، ويأكلون هذا الطعام في تلك الليلة كما لو كان حلوى لذيذة. ويضع الأطفال في اليوم الأول من السنة أقنعة على وجوههم ويتوجهون إلى الأعيان يطلبون منهم الفواكه وهم ينشدون أغانيهم الصبيانية. وفي يوم القديس يوحنا توقد نيران كثيرة من التبن في جميع الأحياء.”
لا يمكننا أن ننكر أنه خلال الاحتفالات التي تنظم في رأس السنة بمناسبة “العيد المسيحي”، تستفيد مدن مغربية عديدة من تدفق السياح المغاربة والأجانب عليها، وتمتلأ الفنادق والساحات والأسواق وتتحرك عجلة الاقتصاد الوطني في هذه الفترة من السنة لأن الاستهلاك يكثر؛ ويزور بلادنا نجوم ومشاهير في عدة مجالات لقضاء رأس السنة بأفخم الفنادق ويدفعون بالعملة الصعبة…
لقد أصبح أمرا عاديا، على مر السنين وفي بلد كالمغرب الذي يعول على السياحة الخارجية، أن نرى مظاهر الثقافة الغربية في شوارعنا، ليس فقط المتعلقة بهذا الموضوع وإنما في مجالات أخرى؛
عادي أيضا أن نرى أشجار عيد الميلاد في أبهاء الأسواق الكبيرة، وهي مزينة بالكرات والأضواء الملونة؛
عادي أن تحتفل المدارس ورياض الأطفال بهذه المناسبة، حتى يتعلم أبناؤنا عادات دول أخرى، وتترسخ لديهم ثقافة تقبل الاختلاف والتسامح والحوار؛
منظر مألوف أيضا هو منظر بابا نويل بلحيته الطويلة وبلباسه الأبيض والأحمر وهو يلعب مع الأطفال في الساحات العمومية، والآباء يأخذون لهم صورا تذكارية؛
لا نستغرب عند اكتشاف برامج الجولات التي تقدمها وكالات الأسفار والفنادق للزبائن المغاربة والأجانب، والتي تتضمن احتفالات بميلاد المسيح وليلة رأس السنة؛
قد يصبح مستقبلا من غير العادي عدم الاحتفال بالعام الجديد أو عدم شراء حلوى “الحطبة” لأكلها عندما تقرع الأجراس معلنة حلول العام الجديد.
هكذا هم المغاربة، يحتفلون بأعياد الميلاد المسيحية، ولكنهم لم ينسوا يوما ذكرى المولد النبوي الشريف ولا عيد الأضحى ولا عيد الفطر ولا عاشوراء…
هم يحتفلون برأس السنة الميلادية، ولكنهم يتذكرون أيضا فاتح محرم، كما يتذكرون أن ديننا لا يمنعنا من تهنئة الآخرين بعيدهم أو مشاركتهم احتفالاتهم، ما داموا غير ملزمين بطقوس دينية معينة أو بممارسات مخالفة للعقيدة الإسلامية؛
إن الأمر عند المغاربة لا علاقة له بالتأثر بالثقافة الغربية أو التطبع بعادات دول أخرى، لأن الأصل يغلب عندهم كل ما هو مكتسَبا وليس من سجيتهم؛
نحن نستقبل العام الميلادي الجديد بالفرح والاحتفالات، لكن الأمر لا يكتسي طابعا دينيا ولا أحد يحضر قداس منتصف الليل؛
نحن نعرف جيدا كيف نحافظ على عاداتنا وتقاليدنا وثقافتنا وحضارتنا وتراثنا، والأهم من هذا وذاك، أننا نعمل على ترسيخها في قلب وعقل وذاكرة الأجيال الصاعدة، ونسهر على توريثها للقادمة. فهكذا نحن المغاربة، وهكذا سنبقى على مر السنين والأعوام.
وكل عام وأنتم وأحبتكم بألف خير.
لطيفة بجو


لا يكتسب الفعل شرعية أو تحليلا أو تحريما فقط لأن الأجداد كانوا يقومون به أو ينهون عنه. جائت الكملة ” هذا ما وجدنا عليه آباءنا.. ” في القرآن مرات عديدة و كان المولى عز و جل يرفض هذه الحجة. اتباع الأبناء للآباء و الأجداد دون استعمال العقل و التفكير في أمورهم الحينية أمر مرفوض. قد يكون أبي كان على حق تبعا لضروفه و عصره و لا يصح لي أن أتبعه بغباء. تجربة الموزة و الخمس قرود لنا خير دليل على ضرورة تحكيم العقل قبل النقل في مثل هذه الأمور و أن الأحكام و الإستدلالات هي وليدة الضروف و المواقف. أنت قلت : قد يصبح مستقبلا…. أي بعد عدة أجيال… أو بعد عدة قرود ????
سبحان الله
مجتمع منافق: كبسو كبسو ليست حراما، العري و الكلام الساقط و البرامج الخاوية ليست حراما، الخمر بالمحلات الكبرى و المطاعم الضخمة ليست حراما، اما شجرة الكريسماس فحرام
تقولين آنسة لطيفة : نحن نستقبل العام الميلادي الجديد بالفرح والاحتفالات، لكن الأمر لا يكتسي طابعا دينيا
هذا صحيح لأن المغاربة يحبون النشاط. كلما جاءهم أحد بفكرة تتجلى فيها الأفراح، قفزوا عليها.
المهم هو أن لا يجعلوا لها طقوسا دينية و الدليل أنهم لا يحضرون القداس. يأخدون الأفراح و يتركون المعتقدات الغير إسلامية.
مقال جيد، شكرا أستاذة لطيفة !
شكرا على المقال…
في الصميم
موضوع شيق و في الصميم
لقد كتر الكلام و الانتقاد في هدا الموضوع و أعطيت له اكتر من قيمته
المغاربة شعب يحب الاحتفال و اجواء الفرح
تحياتي استاذة للاضاحات