لا يختلف اثنان في كون تمديد الدراسة لأسبوع هو فترة غير كافية ليتمكن المتمدرسون من فهم واستيعاب الدروس التي فاتتهم، وأن يُمتحنوا فيها بعد أيام؛ فهي دروس تلقن عادة خلال عشرة أسابيع. كما لن يفي بالغرض تكييف البرامج الدراسية بهدف إكمال المقررات؛ فأين نحن من تكافؤ الفرص التي يتحدث عنها الجميع؟ لأنه في الوقت الذي كان فيه تلاميذ المؤسسات الخاصة يدرسون وينمون مداركهم، كان زملاؤهم بالعمومية يجوبون الشوارع وحقائبهم فوق ظهورهم، أو يمضون الوقت ذهابا وإيابا بين منازلهم ومدارسهم، وفي حيرة من أمرهم، لأنهم لا يعلمون إذا كان عليهم مغادرة المؤسسة أم لا، ولا إذا كان مدرسوهم سيحضرون.
هكذا عاش تلاميذ التعليم العمومي خلال الشهرين الماضيين… على ايقاع الإضرابات التي انخرط فيها مدرسوهم بدعوة من نقابات وتنسيقيات التعليم… لقد أسماهم البعض كبش الفداء أو الذرع الذي استُعمل للضغط على الحكومة وجعلها تتنازل عن قرارات وجدها المضربون مجحفة في حقهم، كان أولها النظام الأساسي.
لا أحد ينكر حق نساء ورجال التعليم في الإضراب ورفع صوتهم والمطالبة بحقوقهم، فهذا حق يكفله القانون والدستور لكل مواطن مغربي… لكن الجميع أصبح يرفض تغيب مربي الأجيال عن قاعاتهم المدرسية لأزيد من شهرين، ويرون أنه كان بإمكانهم إنهاء الإضراب لِما أبانت عنه الحكومة من استعداد للنقاش، وبعد جولات الحوار المتعددة التي خلصت إلى اتفاقيتي دجنبر 2023 والتي ما زالت متواصلة، بهدف إنهاء الجدل القائم، والاتفاق على نظام أساسي جديد يرضي الجميع؛ وتكفي جولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي للتأكد من ذلك.
إن الجميع مقتنع بمشروعية مطالب المحتجين وبحقهم في تحسين وضعيتهم المالية والاجتماعية، لأنهم عانوا منذ سنوات من رفض الوزارة تحقيقها، لكنهم مقتنعون أيضا بأن حريتهم في مزاولة حقهم تنتهي عندما مُست حقوق التلاميذ المغاربة، الذين هم نساء ورجال الغد الذين يعول عليهم لتطوير البلاد وقيادتها إلى أعلى المراتب عالميا مستقبلا. لم يُمنع أطر التعليم من التعبير عن سخطهم أمام وضعية مزرية دامت طويلا… ولكنهم يعاتبون لأنهم أقحموا التلاميذ الذين لا دخل لهم بالنظام الأساسي، ولم يكونوا قط سببا في تأخر ترقية الأستاذ ولا في ضآلة راتبه.
لقد تضامن الجميع مع المضربين، وساندهم المواطنون، بمن فيهم أمهات وآباء وأولياء التلاميذ أنفسهم، بل منهم من دعمهم بالوقوف إلى جنبهم خلال مسيراتهم الاحتجاجية، وحملوا الحكومة مسؤولية بطء وتعثر الحوار وتبعات عدم قبولها بالتنسيقيات على طاولة النقاش- وهو ما جعل الأخيرة تتخذ مواقف متصلبة- ولكن الغالبية أصبحت الآن ضدهم، واقتنعت بأن إضرابهم لم تعد له أي مشروعية، وأنه عليهم العودة إلى أقسامهم، بل إن البعض بات يفكر أنه من حق الدولة اتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة إزاء كل مضرب، سواء كانت اقتطاعا من الأجر أو طردا نهائيا للتغيب المتكرر وغير المبرر…وقد شرعت فعلا في ذلك، مع كامل الأسف.
إننا والحال هكذا، من الصعب تحقيق حلم مغرب مزدهر ومتقدم ويضاهي كبريات الدول، خصوصا مع تدني مستويات التلاميذ خلال السنوات الأخيرة، والتي يشتكي منها المربون والمدرسون أنفسهم. كما أن هذا قد يجعل الوزارة تفكر في إقرار سنة بيضاء… لأنه يصعب تعويض كل زمن تعلمي مضى، وحرم خلاله هؤلاء التلاميذ من العلم والمعرفة. لقد أجمع المربون على استحالة تدارك الزمن المدرسي الضائع بتمديد الدراسة لأسبوع واحد، لأنها غير كافية لا للدعم التربوي لمواجهة التعثرات التي راكمها التلاميذ من الماضي، ولا للتركيز على التعلمات الأساسية. إنهم يؤاخذون الحكومة بكون قرارها قد أخذ بعين الاعتبار مصلحة قلة قليلة من التلاميذ بالتعليم الخصوصي فقط، ولم يخدم البتة زملاءهم بالقطاع العمومي، خصوصا من هم في السنوات الإشهادية كالباكالوريا وارتباط امتحاناتها بالمباريات، داخل وخارج المغرب.
منذ بداية إضراب نساء ورجال التعليم، انقسم المغاربة بين مؤيد لموقف الحكومة ومساند للمدرسين، لكن الأمر تغير؛ قلوبهم الآن مع أبناء الشعب من الأساتذة، لأنهم لم يرتكبوا جرما عندما أضربوا عن العمل، بل هم فقط يطالبون برفع الحيف الذي طالهم منذ سنين ولا يزال… لكنهم مع التلاميذ كذلك لأنهم خسروا ساعات عديدة من التحصيل وضاع حقهم في التعلم، وقد يضيع عليهم عام دراسي بأكمله…
كل الأطراف مطالبة الآن بجعل المصلحة الفضلى للتلميذ نصب أعينها، وتقديم تنازلات للخروج من عنق الزجاجة، بداية بقبول الحكومة للتحاور مع التنسيقيات وعدم تنفيذ قرار توقيف الأساتذة المضربين عن العمل، ووقف التنسيقيات للاحتجاجات بدعوة المدرسين إلى العودة إلى أقسامهم، وأخيرا مواصلة المفاوضات بهدف التوصل إلى قرارات ترضي جميع الأطراف.
لطيفة بجو

