يبدو أننا سنعيش قريبا مسلسلا جديدا لوقفات واحتجاجات، لكن الأمر لا يتعلق هذه المرة بنساء ورجال التعليم، وإنما بزملائهم العاملين في قطاع الصحة؛ فقد نظمت التنسيقية الوطنية للأطباء والصيادلة وجراحي الأسنان، يوم السبت 20 يناير الجاري، وقفة احتجاجية أمام مقر وزارة الصحة بالرباط، للإعلان عن رفضها تمرير الحكومة مؤخرا لقانون يقضي بإخراج الأطباء والصيادلة وجراحي الأسنان من نظام الوظيفة العمومية، وإدماجهم داخل مجموعات صحية ترابية، في غياب أي مقاربة تشاركية معهم.
بتعبير آخر، فإنهم يرفضون ما تقوم به الحكومة حاليا والذي “يعتبرونه تمهيدا لبيع المستشفيات العمومية” كما قال الدكتور كمال سرار، عضو المكتب التنفيذي للتنسيقية، ويطالبونها “بإعادتهم لإطارهم الوظيفي الأصلي، وألا تُنتزع منهم صفتهم كموظفين تابعين للإدارة العمومية” حسب ذات العضو.
تجدر الإشارة إلى أن قرار الوزارة يدخل في إطار الإجراءات التي تم اتخاذها بهدف تقوية المنظومة الصحية ببلادنا وتعزيزها لتستجيب لمختلف التحديات وضمان نجاح الأوراش الكبرى التي انخرط فيها المغرب، لكن أطر القطاع وجدوا بعض بنودها جائرة في حقهم. فإذا كانت الوزارة ترى بأن الإصلاح يستوجب مراجعة شاملة لحكامة المنظومة الصحية، من خلال إعادة الاعتبار للموارد البشرية، وتحسين أنظمة التكوين، وجلب الكفاءات الطبية العاملة بالخارج، وإحداث منظومة معلوماتية صحية وطنية مندمجة، وإحداث هيئات متخصصة للتدبير والحكامة، فإن أطباء وصيادلة وجراحي الأسنان بالقطاع العمومي المغربي مقتنعون بأن حل وتصفية المشافي العمومية والتخلص من أطر الصحة العموميين، “الذين بات يشار إليهم على أنهم عالة على ميزانية الدولة وكتلة الأجور” حسب بلاغ للتنسيقية، ليس بالحل المنطقي الذي سيخلص المنظومة الصحية ببلادنا من المشاكل التي تتخبط فيها. هم يتوقعون حدوث العكس، ويعتبرون بأن ما يحصل حاليا سيزيد الطين بلة وسيستفحل الوضع عندما سيصبح هؤلاء الأطر (البيان التأسيسي للتنسيقية يشير إلى أزيد من 60 ألف مهني) “مستخدمون لدى كيانات مستحدثة تدعى المجموعات الصحية الترابية، مع إلزام هذه الأخيرة بدفع رواتبهم، مع أنها كيانات (…) ستفلس مع أول وقف لدعم الدولة عنها، كونها غير مؤهلة وتحتاج إلى ميزانيات خرافية لبث الحياة فيها وستتحول إلى مؤسسات لا تعرف إلا لغة المال ومنطق الربح والخسارة”، حسب البيان التأسيسي للتنسيقية.
باختصار شديد، إن نزول الأطباء والصيادلة وجراحي الأسنان للشارع اليوم، هو للتعبير عن تشبثهم بكل حقوقهم ومكتسباتهم، وعن رفضهم للقانون الذي غير وضعيتهم، فهو بالنسبة لهم “قانون لا دستوري(…) فالحكومة تعبث بالقوانين وتعبث بالأمن الصحي للمغاربة” حسب الدكتور السرار. لقد انتفضوا اليوم ضد ما أسموه طردا تعسفيا مس استقرارهم النفسي والمهني على حد سواء وكذا استقرار عوائلهم، وينشدون “استعادة إطارهم كموظفين عموميين يتبعون للهيئة المشتركة بين الوزارات ويجوز في حقهم الإلحاق فقط.”
وبالرغم من كل ذلك، فإن أطباء وصيادلة وجراحي الأسنان يؤكدون موافقتهم الكاملة “وانخراطهم في أي إصلاح، على أن يكون في إطار الوظيفة العمومية” وبعيدا عما “يحدث والذي ما هو إلا مهزلة وتحايلا على القانون”، كما جاء على لسان عضو المكتب التنفيذي للتنسيقية. إنهم ينتظرون إصلاحا هدفه تحقيق خدمات صحية جيدة بالمشفى العمومي تحفظ كرامة المغاربة وآدميتهم، لكنهم في نفس الآن يعاتبون الحكومة على عدم أخذها بعين الاعتبار كل التضحيات التي قدموها خلال مسارهم المهني، وخاصة إبان جائحة كوفيد-19.
لذلك، فإن وقفتهم اليوم ما هي إلا دعوة للوزارة للعدول عن قراراتها والعمل على الاستجابة لثلاث مطالب آنية لهم، أولها تراجع الحكومة عن مسار بيع المشفى العمومي وتسريح كل الأطر الصحية، وثانيها تعديل المادة 16 من القانون 08.22 القاضي بإحداث المجموعات الصحية الترابية وإدراج الأطر المعنية ضمن فئة الملحقين، صونا لحقوقهم، وليس ضمن فئة المنقولين والمدمجين تلقائيا، وأخيرا العودة للنظام الأساسي للوظيفة العمومية كنظام يسري عليهم ويحفظ حقوقهم.
لطيفة بجو


هل فعلا يهمهم الأمن الصحي للمغاربة؟….بقدر ما تهمهم جيوبهم