تشهد شوارع طنجة، تفاقمًا مقلقًا لفوضى دراجات “سانيا” النارية، التي باتت تهديدًا للسلامة العامة وأداةً للسرقة، ومحور نقاش حول شرعية كرائها. يقود هذه الدراجات قاصرون دون وثائق قانونية أو خوذات، في تحدٍ لقوانين السير، مما يستدعي تدخلًا حازمًا من السلطات لاستعادة أمان مدينة طنجة.
وتتزايد الحوادث المرتبطة بهذه الدراجات، التي تُكترى من محلات تنتشر بكثافة في أحياء مثل بني مكادة ومغوغة. فبعض هذه الحوادث كادت أن تتحول إلى مآسٍ قاتلة، نتيجة السياقة المتهورة وتجاهل قواعد السير. وقد كشفت واقعة حديثة، مساء الجمعة الماضي، عن توقيف قاصر يبلغ 16 عامًا، بعد ظهوره في مقطع فيديو وهو يقود دراجة بطريقة استعراضية رفقة فتاة، في ظروف تفتقر للسلامة. كانت تُستخدم الدراجة التي تم حجزها دون رخصة، في مشهد يعكس تفشي هذه السلوكيات التي تعرض المارة للخطر.
وأخطر من ذلك، باتت دراجات “سانيا” أداة للسرقة إذ تنتشر عمليات النشل والخطف في الأسواق والشوارع المزدحمة، حيث يستغل قاصرون سرعتها لاستهداف المارة والهروب بسهولة. تكشف هذه الجرائم، التي تضاعف من إحساس السكان بعدم الأمان، عن بُعد إجرامي لهذه الظاهرة، يزيد من تعقيد التحديات الأمنية. غالبية السائقين قاصرون، لا يملكون رخص سياقة أو وثائق تعريف، ويستأجرون الدراجات من محلات، بعضها غير مرخص، تستخدم أساليب ملتوية مثل تكليف راشد بالكراء نيابة عن مجموعة مراهقين يتناوبون على القيادة مقابل مبالغ يقتسمونها.
ويبقى السؤال المطروح: هل كراء هذه الدراجات نشاط مشروع؟ فمن الناحية القانونية، يُعد الكراء مشروعًا إذا امتثل لشروط الترخيص ومدونة السير، التي تلزم السائقين بامتلاك رخصة سياقة (المادة 19) وارتداء خوذة (المادة 160)، وتحظر قيادة القاصرين دون سن 16 عامًا للدراجات دون 50 سم³ (المادة 20). لكن الواقع يكشف عن انتهاكات صارخة: محلات تعمل دون تراخيص، وتتيح الدراجات لقاصرين دون التحقق من أهليتهم، مما يجعل هذا النشاط غير مشروع فعليًا في كثير من الحالات. كما يفاقم غياب تتبع إلكتروني لعمليات الكراء، وعدم ربط المسؤولية القانونية بأصحاب المحلات، من الفوضى، ويحول الكراء إلى مصدر للخطر بدلًا من نشاط تجاري منظم.
ويعاني السكان من تداعيات هذه الظاهرة في أحياء مثل بئر الشيفا والمسيرة، إذ يشتكون من ضجيج الدراجات وتهديدها لسلامة الأطفال والمارة، خاصة قرب المدارس والأسواق.و يواجه سائقو السيارات صعوبة في تفادي الدراجات التي تظهر فجأة، دون احترام إشارات المرور. كشفت إحصائيات وطنية سابقة ارتفاع وفيات مستعملي الدراجات بنسبة 31.1% بين 2015 و2022، مع تسجيل 1389 وفاة في 2022، وهو ما يعكس خطورة الوضع في مدن مثل طنجة، حيث تتفاقم الظاهرة بسبب السياقة غير القانونية.
و تعدد أسباب استمرار هذه الأزمة، من ضعف الرقابة على محلات الكراء، التي تعمل دون تراخيص في كثير من الحالات، يشجع على استئجار القاصرين، الى غياب تتبع إلكتروني للدراجات يعيق تحديد المسؤوليات. كما تعرقل الأزقة الضيقة في الأحياء الهامشية جهود الشرطة. يتحمل الأهالي بدورهم مسؤولية جزئية، إذ يغض بعضهم الطرف عن سلوكيات أبنائهم، أو يعجزون عن ردعهم عن السياقة المتهورة.
ويعكس تفاعل سكان طنجة استياءً متزايدًا إذ تتردد مطالب في الأحياء بتشديد العقوبات على المخالفين، وتنظيم قطاع الكراء عبر دفتر تحملات يلزم المحلات بالتحقق من سن المستأجرين وأهليتهم القانونية. كما يدعو نشطاء إلى حظر كراء الدراجات لمن هم دون 18 عامًا، والسماح بها فقط للراشدين الحاملين لرخص سياقة. وتبرز دعوات لتكثيف حملات التوعية في المدارس، لتثقيف القاصرين حول مخاطر السياقة غير القانونية، وإشراك الأسر في مراقبة أبنائها.
وحجزت السلطات الأمنية، التي كثفت حملاتها في الأشهر الأخيرة، العديد من الدراجات المخالفة التي تواجه تحديات هيكلية. يتطلب الدخول إلى الأحياء الهامشية استراتيجيات مبتكرة، مثل استخدام كاميرات المراقبة. لكن هذه الجهود تبقى محدودة دون إصلاحات شاملة، فتنظيم قطاع الكراء عبر فرض تراخيص صارمة وتتبع إلكتروني لكل دراجة، ضروري لضمان شرعيته ومنع استخدامه غير القانوني، كما يجب أن تستهدف برامج التوعية، المنسقة مع المدارس والجمعيات، تغيير عقليات الشباب والأسر.
فوضى دراجات سانيا في طنجة.. تهديد للسلامة وتساؤلات حول شرعية الكراء

اترك تعليق
