في زمنٍ ليس ببعيد كانت “الجورة” في المغرب تعني أكثر من مجرد تواجد أشخاص في نفس الزنقة أو الحومة كانت علاقة إنسانية مبنية على المحبة، المساندة، والاطمئنان المتبادل. غير أن هذه الصورة بدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً في ظل تحولات اجتماعية واقتصادية متسارعة لتفسح المجال لعلاقات يغلب عليها طابع الفردانية واللامبالاة.
وفي جولة ميدانية قامت بها جريدة أنفوسسيال في شوارع مدينة طنجة استقينا مجموعة من الشهادات التي تعكس الحنين إلى زمن “الجيران القدامى”.
ولخص أحد المواطنين الواقع بجملة صادمة لكنها صادقة “كل واحد رجع داخل سوق راسو” قبل أن يضيف بأسف “كنتمنى يرجع داك الشي ديال شحال هادي ويرجع كيف ما كان ملي كانت الجيرة فيها المحبة والتضامن”.
وعبرت شهادة أخرى عن استياء مماثل من انعدام التواصل بين الناس“ما بقاتش تقدر تشوف الجار ديالك يدوز من قدّامك ويهدر معاك إلا إلى كانت عندو شي مصلحة الجورة ولات كلها حسابات ومصالح شخصية”.
أما رجل آخر يعيش اليوم في طنجة وأصله من مكناس، فاستحضر الفرق بين الماضي والحاضر قائلاً “أنا من المدينة القديمة فمكناس وباقي كاينة شوية ديال الجورة، أما هنا فالجورة ولات شبه منعدمة”.
وفي لحظة مؤثرة تذكر متحدثٌ رابع مشهداً من الماضي“كان شحال هادي، إلا شفنا شي سيدة واقفة فالباب كنا نعرفو باللي خاصها شي حاجة وكنمشيو عندها اليوم حتى إلا كانت محتاجة قليل اللي كيسوّل أو كيعرض المساعدة”.
رغم تغير نمط الحياة وتزايد ضغوط العيش يبقى الحنين إلى دفء الجيرة حاضراً بقوة لدى الكثيرين فتلك الأيام التي كانت فيها البيوت مفتوحة والقلوب أكثر انفتاحاً لا تزال تعيش في ذاكرة الناس كجزء من هوية اجتماعية يرفضون نسيانها.
وفي انتظار أن تعود “الجورة” إلى ما كانت عليه يظل الأمل قائماً بأن يعيد المغاربة الاعتبار لهذه القيمة الإنسانية التي لطالما كانت عنواناً للأمان والتكافل

