رغم الأجواء الصيفية الحارة التي تدفع المغاربة والسياح إلى البحث عن نسيم البحر والاستجمام، تعيش عدد من المدن السياحية بالمملكة، وعلى رأسها السعيدية وطنجة وأكادير، تراجعًا غير مسبوقًا في النشاط السياحي خلال صيف 2025، وسط موجة انتقادات لاذعة موجهة إلى المهنيين والجهات الوصية على القطاع بسبب ارتفاع الأسعار، وغياب العروض المغرية، وتدهور جودة بعض الخدمات.
في مدينة السعيدية، التي كانت تُلقب بـ”الجوهرة الزرقاء”، بدت الفنادق شبه فارغة، والمطاعم تشكو من ركود غير معتاد في عز الموسم الصيفي. وقال أحد أصحاب المقاهي على الواجهة البحرية للمدينة:
“لم نكن نتوقع صيفًا بهذا السوء… الموسم الماضي كان أفضل رغم الصعوبات، أما الآن فحتى الزبناء القليلون يتفاوضون على كل شيء. الناس لم تعد قادرة على تحمل تكاليف العطل.”
الصورة لا تختلف كثيرًا في طنجة، التي لطالما شكلت وجهة مفضلة للمغاربة والمغتربين، إذ لوحظ تراجع واضح في أعداد الزوار في الفنادق والمطاعم وحتى شواطئ المدينة. وقالت سناء البقالي، موظفة قدمت من الرباط لقضاء عطلتها في طنجة:
“أسعار الإقامات نار، والمطاعم أغلى من العواصم الأوروبية… طنجة مدينة جميلة ولكنها لم تعد في متناول العائلات المغربية.”
من جهته، عبّر ياسين الغزواني، فاعل سياحي في المنطقة، عن قلقه إزاء الوضع:
“نحن أمام حالة نفور واضحة بسبب جشع بعض الفاعلين، وغياب مراقبة الأسعار من قبل السلطات. إن لم نتدارك الوضع، سنخسر الموسم كليًا.”
ويشير مهنيون في القطاع إلى أن السياحة الداخلية، التي كانت تعتبر بديلًا مهما في السنوات الأخيرة، باتت تتعرض لضغوط كبيرة نتيجة انخفاض القدرة الشرائية واستمرار غلاء المعيشة. كما أن المغاربة المقيمين بالخارج، الذين يشكلون شريحة مهمة من الزوار، اشتكوا بدورهم من ما وصفوه بـ”الاستغلال المفرط” للأسعار في أماكن الإيواء والمطاعم.
وقال أمين.د، مغربي مقيم في بلجيكا:
“في طنجة، دفعت أكثر من 1200 درهم لليلة في رياض لا تتوفر فيه أبسط شروط الراحة. لو كنت أعلم، لبقيت في إسبانيا!”
في المقابل، يرى خبراء أن التراجع السياحي هذا الصيف هو رسالة إنذار حقيقية للقطاع، مشيرين إلى أن تعافي السياحة لا يقتصر فقط على عدد الزوار، بل يرتبط بجودة العرض، وتنافسية الأسعار، وتوفير تجربة متكاملة تحترم جيب المواطن والزائر.
ويرى مراد الزموري، متخصص في التسويق السياحي، أن المطلوب اليوم هو مراجعة شاملة للعرض السياحي:
“لا يكفي أن نتوفر على البحر والشمس… المغرب يملك مؤهلات طبيعية وثقافية كبيرة، لكن إذا لم نوفر خدمات بأسعار عقلانية، فالسائح سيغير وجهته ببساطة.”
ويتساءل كثيرون: هل ستتدخل الدولة لمراقبة الأسعار وحماية القدرة الشرائية للزوار؟ وهل ستتحرك المجالس الجهوية للسياحة لتصحيح المسار قبل فوات الأوان؟ أم أن الموسم السياحي الحالي سيُسجل كأحد أسوأ المواسم خلال العقد الأخير؟
الواضح أن صيف 2025 كشف أعطاب السياحة الوطنية، وبين أن الرهان على السياحة الداخلية لا يكفي دون ضبط الأسعار، وتحسين الخدمات، ومواكبة تطلعات السائح المحلي والدولي على حد سواء.


