تعيش مدينة طنجة في السنوات الأخيرة حالة غير مسبوقة من التدهور في بنيتها الطرقية، حتى بات الحديث عن الحفر والطرقات المتآكلة جزءاً من يوميات السكان، وصار وجود طريق صالحة للسير استثناءً لا قاعدة. فمهما اتجهت داخل المدينة، من طنجة البالية إلى العوامة، مروراً بحي الجيراري، الإدريسية، علي باي، بني مكادة والسواني، ستجد المشهد نفسه يتكرر بإصرار لافت: طرق محفّرة، إسفلت مهترئ، ترقيعات سطحية، وفوضى عمرانية تكشف عن غياب صادم للمتابعة والمحاسبة.
ما يثير الاستغراب أكثر هو أن أغلب هذه المحاور شريانية وحيوية، يمر منها آلاف السائقين يومياً، وتمر منها أيضاً سيارات المسؤولين المنتخبين والسلطات. ومع ذلك، لا شيء يتحرك. الطريق المؤدي إلى طنجة البالية، وهو أحد أهم المداخل، يعيش حالة انهيار دائم، وكأن المدينة فقدت القدرة على حماية صورتها أمام ساكنتها وزوارها. في العوامة، الوضع ليس أفضل، حيث تتعايش الساكنة مع طرق فقدت كل معايير الجودة، بينما تبقى التدخلات الترقيعية مجرد مسكنات لا تصمد أمام أول موجة مطر.
الأحياء الأكثر كثافة مثل الجيراري وعلي باي وبني مكادة تعرف معاناة يومية حقيقية. الحفر المنتشرة في كل المسارات تتسبب في خسائر مادية للسائقين، وتُربك حركة السير، وتخلق حالة من التوتر الدائم. أما حي الإدريسية والسواني، اللذان يعتبران جزءاً من القلب النابض للمدينة، فمشكلتهما مضاعفة: كثافة حركة السير من جهة، وبنية تحتية متآكلة من جهة أخرى، ما يجعل المرور من هذه المناطق تجربة متعبة لكل من يستعمل المركبات أو وسائل النقل العمومي.
هذا الوضع لا يمكن تفسيره فقط بعجزٍ مالي، كما يحاول البعض تبريره. فالمدينة التي تُصرف عليها الملايير في مشاريع ضخمة، لا تعجز عن إصلاح طريق حي شعبي أو محور رئيسي. المشكلة أعمق من الميزانية، إنها أزمة مسؤولية. أزمة غياب رؤية واضحة للتنمية الحضرية، وأزمة متابعة ومراقبة، وأزمة أولويات داخل المؤسسات المنتخبة والسلطات الوصية.
ولعل ما يزيد الصورة قتامة هو التزام الصمت من طرف المنتخبين، الذين اختفوا تماماً عن هذه المعركة اليومية التي يخوضها المواطنون ضد الحفر والانهيارات والمطبات. ومع اقتراب الانتخابات، يصبح هذا الصمت أكثر دلالة: فكل التركيز صار منصباً على حسابات انتخابية ضيقة، وعلى تأمين المقاعد، وعلى التحالفات، وعلى شراء الولاءات، بينما تُترك المدينة لمصيرها، تتآكل طرقاتها كما تتآكل ثقة مواطنيها في المسؤولين.
طنجة التي تُسوَّق إعلامياً كمدينة صاعدة ومركز اقتصادي جذاب، تبدو في واقعها اليوم مدينة تُركت تُواجه الفوضى العمرانية لوحدها. فالصورة الجميلة التي تُرسم في الخطابات الرسمية تتحطم على أول حفرة في طريق طنجة البالية، وعلى أول عطب تتسبب فيه مطبات العوامة، وعلى أول صراع يومي يعيشه سكان الجيراري وبني مكادة والسواني.
إن ما تحتاجه طنجة اليوم ليس مجرد “مشاريع ترقيعية” أو حلول مؤقتة تُسكت الغضب الشعبي. ما تحتاجه هو قرار سياسي شجاع يعيد ترتيب الأولويات، يضع البنية التحتية في قلب الاهتمام، ويُلزم المقاولات بالجودة والمتابعة والمحاسبة، ويجعل المسؤولية شعاراً يُمارس على الأرض لا يُرفع في اللافتات.
إلى أن يحدث ذلك، ستظل طرق طنجة مرآة صادقة لواقع مدينة تُبادَر فيها المشاريع الكبرى وتُهمل الأساسيات، وتظل الحفر شاهداً يومياً على غياب من يفترض أنهم حماة المصلحة العامة.

