منذ 17 سنة ومدينة طنجة تحتضن مؤتمر “ميدايز”، الحدث الذي يتم تقديمه سنوياً على أنه واحد من أبرز الملتقيات السياسية والاقتصادية على مستوى الجنوب العالمي. ورغم الزخم الإعلامي والهيلالة المصاحبة لهذا المنتدى، يبقى السؤال الأكبر والأكثر تداولاً بين سكان المدينة: ماذا يستفيد الطنجاويون من ميدايز؟ وهل تحوّل هذا الحدث إلى قيمة مضافة حقيقية للمدينة، أم بقي مجرد موعد للنخبة يُقام داخل طنجة، دون أن ينعكس على أهل طنجة؟
في كل دورة من ميدايز، يعيش المواطن الطنجاوي في محيط مناطق الانعقاد حالة خاصة من الازدحام وقطع الطرق، وإجراءات أمنية مشددة تعرقل تنقله وتعطّل مصالحه. أحد سكان المدينة علّق قائلاً: “ميدايز بالنسبة لينا غير صداع، كيتسدّو الطرق وما كاين حتى استفادة”. ورغم ما يُقال عن عائدات سياحية أو فندقية، لا يشعر المواطن العادي بأي أثر اقتصادي مباشر أو غير مباشر. المدينة تواصل نشاطها اليومي المعتاد، دون أن يلمس سكانها أي انتعاش إضافي، أو مشاريع جديدة، أو فرص تشغيل مرتبطة بهذا المنتدى الذي يُعقد على أرضهم.
من الناحية المعرفية والفكرية، يقدّم ميدايز نفسه كفضاء لنقاشات كبيرة وأفكار مؤثرة، لكن الواقع يكشف أن أبوابه تبقى مغلقة أمام أهم فئات يجب أن تستفيد: طلبة الجامعات، الباحثون الشباب، المقاولون الجدد، والتقنيون والفاعلون المحليون. عدد كبير من الطنجاويين لا يعرف حتى ما الذي يناقَش داخل القاعات، ولا ما هي مخرجات النقاشات، ولا ما إذا كانت هناك برامج متابعة أو خطوات عملية يتم تنزيلها بعد انتهاء المنتدى. وحتى بعد 17 سنة من الاستمرارية، لا يوجد أي تقرير دوري موجَّه للرأي العام المحلي يشرح ماذا حقق المنتدى، لمن، وكيف.
أغرب ما يرافق هذا الحدث هو استمرار تجاهل الإعلام المحلي. ورغم أهمية الصحافة الجهوية في نقل نبض الشارع وتغطية قضاياه، فإن أغلب المنابر الطنجاوية لا تتلقى دعوات رسمية لتغطية ميدايز، وكأن هذا الحدث يُنظم في مدينة أخرى وليس داخل طنجة. ولعل هذا التجاهل عزّز الانطباع الشعبي بأن المنتدى مخصص لفئة محدودة، وأن سكان المدينة مجرد متفرجين يتحملون تبعات التنظيم دون أن يكونوا جزءاً من الاستفادة.
وبينما يعمل ميدايز على صناعة صورة دولية لنفسه، لا يجد المواطن الطنجاوي أي أثر اجتماعي أو ثقافي أو اقتصادي على حياته اليومية، ولا يرى مشاريع مرافقة أو مبادرات ميدانية تُحدث فرقاً داخل المدينة. لا منح بحثية، لا ورشات لفائدة الشباب، لا برامج احتضان للمقاولات المحلية، ولا أي أثر تنموي ملموس يبرّر حجم الصخب المصاحب للمؤتمر.
هكذا، ومع مرور 17 دورة، يزداد السؤال حدة: هل يستحق ميدايز كل هذا الضبط الأمني وهذا الإغلاق وهذا الاهتمام؟ وهل من المنطقي أن يستمر حدث بهذا الحجم دون تواصل واضح مع ساكنة المدينة ودون شفافية حول نتائجه؟ وهل يمكن أن يستمر تجاهل الإعلام المحلي بينما يتم فتح الأبواب أمام منصات خارجية لا تعرف شيئاً عن طنجة ولا عن أولوياتها؟
طنجة اليوم ليست مدينة عادية. هي قطب اقتصادي وسياحي وصناعي كبير. والفعاليات الكبرى التي تحتضنها يفترض أن تكون جزءاً من dynamisme شامل يعود بالنفع على سكانها. لكن ما يحدث مع ميدايز هو العكس: حدث مغلق على نخبته، مفتوح فقط على ضيوفه، لا يترك أثراً اقتصادياً أو معرفياً على المدينة، بل يكتفي بعناوين براقة وسجالات نظرية تتبخر بمجرد انتهاء الجلسات.
وإلى أن يقرّر المنظمون تغيير فلسفة المنتدى ليصبح شريكاً حقيقياً للمدينة وسكانها، سيظل ميدايز بالنسبة لعدد كبير من الطنجاويين: حدثاً عالمي الشكل… لكنه محلياً بلا معنى..

