لم يعد ما كشفته جريدة “الأخبار” حول شبكات التزوير والتلاعب في قطاع العقار مجرد خبر عابر في صفحات المتابعة القضائية، بل أصبح ناقوس خطر حقيقي يدق بعنف في وجه الدولة والمجتمع معاً. نحن أمام مشهد صادم: ملايين السنتيمات تُدفع تحت الطاولة، تنازلات وهمية تُحرر، وثائق تُزوّر، ومسؤولون ومنتخبون وموثقون يُستدعون للتحقيق. هذا ليس خللاً تقنياً في منظومة إدارية متهالكة، بل صورة مكثفة لعطب عميق ينخر أحد أخطر القطاعات المرتبطة مباشرة بأمن المواطن الاجتماعي واستقراره.
ما تكشفه هذه القضية أن سوقاً سوداء موازية للعقار باتت تشتغل بمنطقها الخاص، خارج القانون، وخارج الرقابة، وبسلم تسعيرات مخيف: من مئات الآلاف إلى ملايين الدراهم مقابل “تسوية وضعية”، أو تمرير تنازل، أو طي ملف نزاع. هنا لا يعود الحق هو الفيصل، بل القدرة على الدفع، ولا تعود الوثيقة القانونية ضمانة، بل مجرد ورقة يمكن تطويعها إذا توفرت الوساطة والنفوذ.
الأخطر في هذا الملف ليس فقط حجم الأموال المتداولة، بل نوعية المتورطين. حين يصبح بعض من يفترض فيهم حماية الشرعية القانونية جزءاً من شبهة المساس بها، فنحن أمام انهيار صامت لهيبة المؤسسات. كيف يمكن لمواطن بسيط أن يثق في عقد موثق، أو في تنازل موقع، أو في مسطرة قانونية، وهو يرى اليوم أسماء وازنة تُستدعى في قضايا تزوير بالمليارات؟ وأي رسالة تُبعث إلى المجتمع سوى أن القانون لم يعد متساوياً بين الجميع؟
في مدن الشمال، وعلى رأسها طنجة وتطوان، تحوّل العقار من رافعة تنموية إلى مصدر نزيف اجتماعي. مئات الملفات عالقة في المحاكم، ورثة محرومون من أملاكهم، مشترون وجدوا أنفسهم فجأة في متاهة نزاعات لم يكونوا طرفاً فيها، أسر كاملة فقدت مدخرات العمر بسبب شراء “سكن” اتضح لاحقاً أنه موضوع تزوير أو تحفيظ مشبوه. وفي كل هذه المآسي، يكون المواطن دائماً هو الحلقة الأضعف، بينما يظل سماسرة الظل في مأمن، يغيرون الواجهات فقط.
الواقع المرّ أن الخلل لم يعد في النصوص القانونية، بل في كيفية تطبيقها، وفي من يطبقها، وفي من يلتف عليها، وفي من يغض الطرف عنها. حين يصبح السمسار أقوى من الإدارة، والوسيط أسرع من القضاء، والرشوة أضمن من الوثيقة، فنحن لا نعيش مشكلة قطاع، بل أزمة ثقة وطنية. أزمة تجعل المواطن يشعر أن الدولة بعيدة، وأن العدالة بطيئة، وأن الحق هش أمام المال والنفوذ.
قضية التزوير التي فجّرتها “الأخبار” تضع الجميع أمام امتحان حقيقي. هل نحن فعلاً أمام بداية تطهير جذري لقطاع مريض؟ أم سنكتفي مرة أخرى بتقديم “قرابين صغيرة” للرأي العام، ثم يُعاد إنتاج نفس المنظومة بوجوه جديدة وأسماء جديدة؟ هل ستصل المساءلة إلى مراكز القرار الحقيقي، أم ستتوقف عند الحدود التقليدية التي اعتادها المغاربة في مثل هذه الملفات؟
إن خطورة ما يقع اليوم في العقار لا تتجلى فقط في الخسائر المالية، بل في ما هو أخطر: تآكل الإحساس بالعدالة، وانكسار الشعور بالأمان القانوني، وتحول السكن من حق دستوري إلى امتياز محفوف بالمخاطر. وهذا أخطر استثمار يمكن أن تخسره أي دولة: ثقة مواطنيها في القانون.
إن لم تتحول هذه القضية إلى نقطة تحول حقيقية، فإن القادم أخطر. لأن المواطن إذا فقد ثقته في الوثيقة، وفي المحكمة، وفي الإدارة، فإنه سيفقد ثقته في الدولة نفسها. وحين يصل مجتمع إلى هذه المرحلة، يصبح الاحتقان الاجتماعي أقرب، والفوضى القانونية أكثر احتمالاً، والمدينة تتحول إلى ساحة صراع صامت بين نفوذ المال وهشاشة الحق.
اليوم، الكرة ليست في ملعب القضاء وحده، بل في ملعب الدولة برمتها: إما أن تقول بوضوح إن زمن التسويات المشبوهة قد انتهى، وإن العقار خط أحمر، وإن الملكية محمية بالقانون لا بالرشاوى، أو أن تترك الباب مفتوحاً لمزيد من الانفجارات الاجتماعية والقانونية التي لن يسلم من لهيبها أحد.

