أعادت المشاهد التي عرفتها محطات القطارات والطرق المؤدية إلى مدن الشمال طوال 24 الماظية، أعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتجدد مع كل موجة هجرة جماعية نحو سبتة المحتلة أو محاولات العبور إلى الضفة الأخرى. فالتدخلات الأمنية المكثفة لاحتواء الوضع ومنع وقوع مآسٍ إنسانية كانت ضرورية لحماية الأرواح والحفاظ على النظام العام، لكنها في الوقت نفسه تفتح نقاشاً أوسع حول الأسباب العميقة التي تدفع آلاف الشباب، ومن بينهم قاصرون، إلى خوض هذه المغامرة.
لقد أظهرت السلطات الأمنية، كما في مناسبات سابقة، جاهزية كبيرة في التعامل مع هذه التحركات، سواء عبر تأمين محطات النقل أو الحد من محاولات الوصول إلى المناطق الحدودية. ويظل هذا الدور أساسياً في ظل المخاطر الحقيقية التي ترافق الهجرة غير النظامية، والتي قد تنتهي بفقدان الأرواح أو باستغلال الشباب من طرف شبكات الاتجار بالبشر.
غير أن المقاربة الأمنية، مهما بلغت نجاعتها، تظل معالجة لنتائج أزمة تتجاوز الجانب الأمني. فالسؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بكيفية منع الشباب من الوصول إلى الحدود، وإنما بكيفية منع وصولهم أصلاً إلى مرحلة فقدان الأمل التي تجعلهم يعتبرون الهجرة، بكل مخاطرها، خياراً مقبولاً.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الظاهرة ليست وليدة لحظة عابرة، بل تعكس تراكمات اجتماعية واقتصادية ونفسية يعيشها جزء من الشباب. فارتفاع معدلات البطالة، واتساع دائرة الهشاشة، وضعف فرص الإدماج، وغياب فضاءات التأطير والترفيه في عدد من الأحياء، كلها عوامل تغذي الإحساس بانسداد الأفق، خاصة لدى فئة القاصرين والشباب الباحثين عن مستقبل أفضل.
كما أن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت تلعب دوراً متزايداً في تضخيم الظاهرة، من خلال تداول مقاطع وصور توحي بأن الوصول إلى الضفة الأوروبية أمر ممكن، دون إبراز حجم المخاطر القانونية والإنسانية التي قد ترافق هذه المحاولات. ويؤدي هذا الخطاب أحياناً إلى خلق حالة من العدوى الجماعية، تجعل أعداداً كبيرة من الشباب تتخذ القرار نفسه في وقت قصير.
ومن جهة أخرى، تطرح هذه الأحداث أسئلة حول مدى فعالية السياسات العمومية الموجهة للشباب. فالمطلوب اليوم لا يقتصر على إطلاق مبادرات ظرفية أو تنظيم أنشطة موسمية، بل يستدعي وضع رؤية متكاملة تركز على التكوين، والتشغيل، والمواكبة النفسية، وخلق فضاءات حقيقية تمنح الشباب الإحساس بالانتماء والأمل في المستقبل.
إن مسؤولية مواجهة هذه الظاهرة ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تتقاسمها المؤسسات المنتخبة، والقطاعات الحكومية، والمؤسسات التعليمية، والمجتمع المدني، والأسرة، ووسائل الإعلام. فكل طرف مطالب بالإسهام في بناء بيئة تقلص من دوافع الهجرة غير النظامية وتعزز ثقة الشباب في إمكانيات النجاح داخل وطنهم.
وفي ظل استمرار محاولات العبور نحو سبتة ومليلية، يبدو واضحاً أن المقاربة الشاملة هي الخيار الأكثر نجاعة. فحماية الحدود ضرورة، لكن حماية الأمل لدى الشباب ضرورة أكبر. وعندما يصبح المستقبل داخل الوطن أكثر وضوحاً وإقناعاً، ستتراجع تلقائياً دوافع المغامرة، وسيتحول النقاش من كيفية احتواء الأزمات إلى كيفية صناعة الفرص.
ويبقى التحدي الحقيقي اليوم هو الانتقال من تدبير تداعيات الظاهرة إلى معالجة جذورها، لأن الاستثمار في الشباب ليس مجرد سياسة اجتماعية، بل هو استثمار في أمن المجتمع واستقراره ومستقبله.


